كشفت صرخة “لجنة دعم منكوبي فيضانات إقليم تاونات” في المغرب عن فصل جديد من فصول التهميش الممنهج الذي يمارسه نظام المخزن ضد المناطق الداخلية؛ فبعد الكارثة الإنسانية والبيئية التي خلفها فيضان شهري يناير وفبراير، وجد سكان الإقليم أنفسهم خارج حسابات “التعويض الملكي” والحكومي. هذا الإقصاء المتعمد، رغم توفر كافة معايير “المنطقة المنكوبة” من وفيات وانهيارات وتشريد لآلاف الأسر، يثبت أن معايير الدعم في المغرب تخضع لمنطق المحاباة السياسية والقرب من مراكز النفوذ، لا لحجم المعاناة الإنسانية.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن تاونات تعيش كارثة مركبة؛ حيث عرت السيول هشاشة البنية التحتية المتهالكة أصلاً، متسببة في عزل دواوير كاملة وانهيار أكثر من 300 مسكن. والمثير للسخرية السوداء هو أن الإقليم الذي يضم سبعة سدود مائية كبرى يعيش عطشاً بنيوياً، واليوم يُحرم مزارعوه من تعويضات فقدان 70% من محصول الزيتون، مما يدفع بآلاف الفلاحين الصغار نحو الإفلاس والهجرة القروية، في تكريس لواقع “اللاعدالة الجهوية” التي تحول أقاليم الشمال والداخل إلى مجرد “خزانات انتخابية” تُستغل وقت الاقتراع وتُنسى وقت الكوارث.
وتتضاعف مأساة نساء تاونات في ظل هذا الحرمان؛ حيث يواجهن واقعاً صحياً مرعباً يتمثل في نقص حاد للأطباء يصل إلى 94% مقارنة بالمعايير الدولية. إن إجبار النساء الحوامل على وضع مواليدهن في الطرقات الوعرة أو حملهن على الأكتاف بسبب غياب المسالك وسيارات الإسعاف، هو وصمة عار على جبين “الدولة الاجتماعية” المزعومة. هذا الوضع اللاإنساني يثبت أن حياة المواطن في “المغرب العميق” لا تساوي شيئاً في أجندة حكومة المخزن التي سارعت لتعويض أقاليم أخرى (كالعرائش والقنيطرة) لأسباب مرتبطة بمصالح كبار الملاكين العقاريين واللوبيات الفلاحية.
إن مفارقة “الأكثر تصويتاً والأقل استثماراً” تلخص طبيعة العلاقة بين المخزن وتاونات؛ فالإقليم الذي سجل أعلى نسب المشاركة الانتخابية وطالما اعتبر خزاناً للأصوات، يُجازى اليوم بإهمال مطالبه بإعلانه “منطقة منكوبة”. هذا التجاهل الرسمي للمذكرة القضائية المقدمة لرئاسة الحكومة يغذي الاحتقان الشعبي ويكشف زيف الوعود بالتنمية المتوازنة، مؤكداً أن الاستثمار العمومي يوجه فقط لتلميع “واجهة المغرب النافع”، بينما يُترك “المغرب غير النافع” لمواجهة مصيره أمام انجرافات التربة وفقر الخدمات الأساسية.
وتظل مطالبة اللجنة بصدور مرسوم تكميلي لإعلان تاونات منطقة منكوبة اختباراً حقيقياً لمصداقية المؤسسات الدستورية. إن الاستمرار في حرمان المتضررين من تفعيل مسطرة التعويض وفق القانون 110.04 هو دفع متعمد نحو الانفجار الاجتماعي في إقليم لم يعد لديه ما يخسره. والحقيقة التي يهرب منها المخزن هي أن سياسة “الآذان الصماء” لن تنجح في إخفاء آثار الكارثة، بل ستزيد من قناعة المغاربة بأن التغيير لا يمر عبر صناديق الاقتراع التي تُسرق أصواتها لتكريس واقع الحرمان، بل عبر نضال ميداني لانتزاع الحق في الكرامة والمواطنة الكاملة.
