بعد أيام من صدور القرار السيادي القاضي بمباشرة الإجراءات القانونية لإلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، تواصل الهيئات الدبلوماسية والتقنية الجزائرية تنفيذ مقتضيات هذا الإجراء الذي يضع حداً لعقد رسمي ظل ينظم الرحلات الجوية بين البلدين لسنوات. ويأتي هذا التحرك ليعيد رسم خارطة الملاحة الجوية في المنطقة، مؤكداً أن الأجواء الجزائرية تخضع حصراً للمصالح العليا للدولة واعتبارات أمنها القومي.
إنهاء حقوق الملاحة والعبور السيادي
بموجب قرار الإلغاء الذي دخل حيز التنفيذ الإجرائي، فقدت شركات الطيران الإماراتية جملة من الامتيازات التي كانت تضمنها بنود الاتفاقية؛ حيث سقط “حق الطيران” عبر الإقليم الوطني دون الهبوط فيه، وهو ما يعني عملياً إغلاق الأجواء في وجه العبور الجوي الإماراتي. كما شمل الإجراء إنهاء حقوق الهبوط التقني والتجاري، ومنع عمليات تحميل أو إنزال الركاب والبضائع والبريد في المطارات الجزائرية، ما يضع حداً لكافة الخدمات الدولية التي كانت محددة في ملحق الاتفاقية الملغاة.
تداعيات تقنية ولوجستية واسعة
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إلغاء هذا العقد الرسمي سيتجاوز مجرد توقف الرحلات المباشرة، ليمتد إلى إنهاء “حقوق النقل” وتعيين الشركات المشغلة. ويترتب على ذلك إلغاء السعة المقعدية وعدد الرحلات الأسبوعية التي كانت مبرمجة سابقاً، بالإضافة إلى سقوط آليات تحديد الأسعار والتعريفات المشتركة. ويرى خبراء الملاحة أن هذا الإجراء سيجبر الطيران الإماراتي على البحث عن مسارات بديلة أكثر طولاً وتكلفة للوصول إلى وجهاته في غرب إفريقيا والقارة الأمريكية، بعد أن فقد ميزة العبور عبر أكبر بلد إفريقي ومغاربي.
رسائل السيادة وحماية الأمن القومي
يأتي قرار الجزائر بإلغاء الاتفاقية مع الإمارات في سياق حازم يرفض أي محاولات لاستغلال الاتفاقيات الرسمية في ممارسات تتنافى مع مبادئ “المعاملة بالمثل” أو تضر بالاستقرار الإقليمي. وتضع السلطات الجزائرية هذا الإجراء في خانة حماية “السيادة الوطنية”، على غرار قرارات سابقة شملت قطع الملاحة الجوية مع “نظام المخزن” المغربي رداً على استفزازاته المتكررة. وهي رسالة واضحة بأن الانخراط في شراكات مع الجزائر يتطلب احتراماً كاملاً لسيادتها وقرارها المستقل.
نحو خارطة جوية جديدة
بينما تواصل الجزائر تعزيز أسطولها الوطني وفتح خطوط دولية جديدة نحو عواصم عالمية تحترم الندية في التعامل، يكرس إلغاء الاتفاقية مع أبوظبي نهج “الجزائر الجديدة” في مراجعة كافة العقود والاتفاقيات الدولية وتكييفها مع مقتضيات الرهان الحالي. إن إغلاق الأجواء أمام الجهات التي لا تلتزم بضوابط الشراكة الاستراتيجية يعكس ثقة الدولة في مقدراتها الاقتصادية، خاصة مع بلوغ احتياطي الصرف 70 مليار دولار والتوجه نحو ناتج محلي إجمالي يقارب 400 مليار دولار، ما يجعل من السوق الجزائرية رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه إلا عبر قنوات الاحترام المتبادل.
