كشف تقرير دولي حديث أن المغرب يقف اليوم على حافة أزمة اجتماعية متعددة الأبعاد، حيث تتصدر البطالة وهشاشة سوق الشغل وضعف الحماية الاجتماعية قائمة المخاطر التي تهدد استقرار البلاد، في صورة تعاكس تماماً الخطاب الرسمي الذي يروّج لنموذج تنموي “صاعد” تقوده السلطة المخزنية.
ووفق تقرير المخاطر العالمية لسنة 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن ثلاثة من أصل خمسة أخطر تهديدات تواجه المغرب ذات طبيعة اجتماعية صرفة: بطالة ونقص فرص، خدمات عمومية متدهورة، وتوزيع غير عادل للثروة. وهي مؤشرات ثقيلة الدلالة على عمق الاختلال البنيوي الذي يطبع الاقتصاد المغربي تحت إدارة منظومة الحكم القائمة.
التقرير يضع البطالة وتردي شروط العمل في المرتبة الأولى، مشيراً إلى تآكل حقوق العمال وركود الأجور واتساع الشغل الهش، بما يعكس اقتصاداً عاجزاً عن خلق فرص حقيقية رغم سنوات من الدعاية حول “الإقلاع الصناعي” و“الاستثمارات الكبرى”. وفي المرتبة الثانية يأتي ضعف الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، من تعليم وصحة وسكن ومعاشات، ما يؤكد أن ثمار النمو – إن وجدت – لا تصل إلى الأغلبية الساحقة من المغاربة.
أما التضخم وغلاء الأسعار فجاءا في المرتبة الثالثة، في انعكاس مباشر لتآكل القدرة الشرائية وتراجع مستوى العيش، وهي ظواهر تفاقمت خلال السنوات الأخيرة في عهد حكومة عزيز أخنوش، التي تواجه اتهامات داخلية متزايدة بخدمة مصالح النخب الاقتصادية المرتبطة بالقصر الملكي بدل حماية الفئات الهشة.
وفي بعده البيئي، يحذر التقرير من هشاشة الأمن الغذائي والمائي في المغرب بسبب سوء إدارة الموارد وتفاقم الجفاف، إضافة إلى هشاشة البنية التحتية أمام الفيضانات والظواهر المناخية المتطرفة. وهي معطيات تكشف، مرة أخرى، محدودية النموذج التنموي المعتمد على الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية دون استثمار كافٍ في الاستدامة والحماية.
غير أن المؤشر الأكثر دلالة سياسياً في التقرير يتمثل في إدراج “عدم المساواة في توزيع الثروة” ضمن أخطر خمسة تهديدات تواجه المغرب. فهذا التوصيف الدولي يلامس جوهر البنية الريعية للاقتصاد المخزني، حيث تتركز الثروة والامتيازات في يد دائرة ضيقة مرتبطة بالقصر، بينما تتسع هوة الفوارق الاجتماعية وتتآكل الطبقة الوسطى.
وبذلك، لا يقدم التقرير مجرد تشخيص تقني لمخاطر اقتصادية واجتماعية، بل يشكل في جوهره إدانة غير مباشرة لنموذج حكم يقوم على احتكار الثروة وتفاوت الفرص، في بلد يملك إمكانات معتبرة لكنه يعجز عن تحويلها إلى تنمية عادلة وشاملة.
في المحصلة، يضع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي صورة قاتمة أمام الرأي العام: بطالة مرتفعة، خدمات عمومية هشة، تضخم مستمر، موارد مهددة، وثروة مركزة. وهي حصيلة تعيد طرح السؤال الذي يتردد داخل المغرب نفسه قبل خارجه: هل تكمن أزمة البلاد في نقص الموارد، أم في طبيعة النظام الذي يديرها؟
