تضع شبكة “تقاطع” للحقوق الشغلية السياسات الحكومية المخزنية في مرمى الاتهام، محذّرة من أن أوضاع الشغل في المغرب تشهد تدهورًا غير مسبوق، يتجاوز حدود الاختلالات الظرفية ليعكس توجّهًا ممنهجًا نحو تفكيك الحقوق الاجتماعية وتطبيع الاستغلال داخل أماكن العمل، في القطاعين العام والخاص على حد سواء.
وفي بلاغ يحمل نبرة تصعيدية، اعتبرت الشبكة أن الارتفاع المهول للأسعار مقابل تجميد الأجور لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي سلبي، بل تحوّل إلى عامل ضغط مباشر على الاستقرار الاجتماعي، بعدما قاد إلى تآكل خطير في القدرة الشرائية ونسف شروط العيش الكريم لفئات واسعة من الشغيلة، في ظل غياب أي سياسات عمومية قادرة على كبح الغلاء أو حماية الدخل.
وسجّلت “تقاطع” ما وصفته بتكثيف الاستغلال داخل مواقع العمل، من خلال الرفع القسري لوتيرة الإنتاج، وتعميم الهشاشة، واعتماد التوظيف بالعقود والعمل المؤقت وغير المصرح به، إلى جانب حرمان آلاف العمال من الحماية الاجتماعية والتعويضات العائلية. وترى الشبكة أن هذه الممارسات لم تعد استثناءات، بل أصبحت جزءًا من نموذج اقتصادي قائم على تقليص الكلفة الاجتماعية وتحميل الشغيلة وحدها تبعات الأزمات.
ويبرز ملف حوادث الشغل، وفق البلاغ ذاته، كأحد أخطر تجليات هذا الوضع، حيث تشير المعطيات إلى تسجيل أكثر من 2000 حالة وفاة سنويًا بسبب حوادث الشغل والأمراض المهنية، في ظل ضعف شروط السلامة وتفشي النقل غير الآمن، خاصة في المناطق الزراعية، ما يحوّل العمل اليومي إلى مجازفة قد تنتهي بالموت.
ولم تفصل الشبكة هذا الواقع الاجتماعي عن السياق السياسي والتشريعي، معتبرة أن المصادقة على ما تصفه بـ«القانون التكبيلي للإضراب» شكّلت نقطة تحوّل خطيرة، عززت مناخ التضييق على الحريات النقابية، وقمع الاحتجاجات العمالية، واستعمال العنف واللجوء إلى المتابعات القضائية، بما يفرغ الحق في التنظيم والاحتجاج من مضمونه الدستوري.
كما حذّرت “تقاطع” من أن الهجوم على حقوق الشغيلة لا يتوقف عند شروط العمل، بل يمتد إلى مستقبلهم الاجتماعي، عبر التحضير لإصلاحات انفرادية لأنظمة التقاعد، تقوم على رفع سن الإحالة إلى 65 سنة، وزيادة الاقتطاعات، وربط المعاشات بمنطق النقاط، في محاولة ـ بحسب البلاغ ـ لتحميل الطبقة العاملة كلفة العجز المالي وفشل الاختيارات الاقتصادية، بدل البحث عن حلول عادلة وشاملة.
وفي مواجهة هذا الوضع، دعت الشبكة إلى زيادة عامة في الأجور وربطها بتكلفة المعيشة، ووقف كل أشكال الهشاشة والاستغلال، وضمان شروط الصحة والسلامة المهنية، وفتح تحقيقات جدية في وفيات الشغل وتعويض عائلات الضحايا. كما طالبت بتحسين نقل العمال، وتشديد الرقابة على شركات النقل، ومنع استعمال وسائل غير مخصصة لنقل الأشخاص.
ويعكس هذا البلاغ، في مجمله، تصاعد منسوب القلق داخل الأوساط الحقوقية والنقابية من مسار اجتماعي يعتبره منتقدوه مهددًا للسلم الاجتماعي، في ظل سياسات تُتهم بتغليب منطق الربح والمرونة القصوى على حساب الكرامة والحقوق الأساسية للشغيلة.
