الأربعاء 04 مارس 2026

حين تتكلم الأرقام… قلقٌ صهيوني من التفوق العلمي الإيراني وانكشاف وهم التفوّق المطلق… بقلم د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
حين تتكلم الأرقام… قلقٌ صهيوني من التفوق العلمي الإيراني وانكشاف وهم التفوّق المطلق… بقلم د. هناء سعادة

لم تأتِ تصريحات رئيس لجنة التخطيط والميزانيات في الكيان الصهيوني، عَمي موئيل، في سياقٍ عابرٍ أو نقاشٍ أكاديميٍّ بحت، بل جاءت كاعترافٍ صريحٍ بفجوةٍ استراتيجية آخذة في الاتساع بين إيران والكيان في ميدان يُعدّ أخطر من ساحات القتال: ميدان العلم والمعرفة. فحين يقرّ مسؤولٌ رسمي بأنّ إيران تؤهّل سنوياً مئات الآلاف من طلاب الهندسة، مقابل بضعة آلاف فقط في الكيان، فإنّ المسألة لم تعد أرقاماً جامدة، بل تحوّلت إلى مؤشرٍ عميق على تحوّل موازين القوة في المنطقة.

إنّ تأهيل 234 ألف طالب في مجالات الهندسة سنوياً في إيران ليس مجرد إنجازٍ تعليمي، بل هو استثمارٌ طويل الأمد في البنية التحتية العلمية، والصناعات المتقدمة، والتكنولوجيا الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والفضاء. إنه بناءٌ منهجيٌّ لقاعدة بشرية قادرة على تحويل المعرفة إلى قوةٍ إنتاجية واستراتيجية. وفي المقابل، حين لا يتجاوز عدد طلاب الهندسة في الكيان سبعة آلاف سنوياً، فإنّ السؤال الذي يتردّد في الأوساط الصهيونية ليس عن الفارق العددي فحسب، بل عن القدرة المستقبلية على الحفاظ على التفوق النوعي الذي طالما شكّل ركيزة السردية الصهيونية.

ولم يتوقف الاعتراف عند التعليم، بل امتدّ إلى مجال النشر العلمي، حيث أشار موئيل إلى أنّ إيران تنشر أكثر من ثلاثة أضعاف ما يُنشر في الكيان سنوياً. وهنا تتجلّى الدلالة الأعمق: فالنشر العلمي ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو معيارٌ لقياس الحضور في الاقتصاد المعرفي العالمي، ومؤشرٌ على حجم البحث والتطوير، وعلى قدرة الدولة على الابتكار وصناعة المعرفة لا استيرادها.

إنّ هذا القلق الصهيوني المعلن لا ينفصل عن السياق الأوسع للمواجهة. فالدولة التي تمتلك قاعدة علمية بهذا الحجم، وقوة بشرية هندسية بهذا الاتساع، لا يمكن إخضاعها بسهولة عبر العقوبات أو الضربات العسكرية. بل على العكس، كلّ محاولة حصارٍ أو عدوانٍ تتحوّل إلى حافزٍ إضافي لتسريع الاكتفاء الذاتي وتعميق التصنيع المحلي. وهنا يكمن جوهر المخاوف في تل أبيب وواشنطن معاً: إنّ إيران لا تعتمد فقط على إرادة سياسية، بل على بنية علمية متنامية تمنحها قدرةً مستدامة على الصمود والتطوير.

لقد بُني الخطاب الصهيوني طويلاً على فكرة «التفوّق النوعي المطلق» في المنطقة، وعلى احتكار التكنولوجيا والبحث العلمي المتقدم. غير أنّ الأرقام التي خرجت من داخل المؤسسة الرسمية الصهيونية نفسها تهزّ هذه الفرضية من أساسها. فالتفوق لم يعد حكراً، والاحتكار لم يعد ممكناً في عالمٍ تتسارع فيه المعرفة خارج المركز الغربي التقليدي.

أما الولايات المتحدة، الحليف الأكبر والداعم الأول، فهي تدرك جيداً أنّ تفوّق الحلفاء لا يُقاس بعدد الطائرات فحسب، بل بقدرتهم على إنتاج التكنولوجيا وتطويرها محلياً. وكلّما اتسعت الفجوة العلمية لمصلحة إيران، ازداد القلق من تحوّلها إلى قوةٍ إقليمية مكتفية ذاتياً، قادرة على فرض معادلات جديدة، لا في الميدان العسكري فقط، بل في الاقتصاد والطاقة والتقنيات المتقدمة.

إنّ التفوق العلمي الإيراني ليس حدثاً طارئاً، بل نتيجة عقودٍ من الاستثمار في التعليم العالي، والبحث، وتخريج الكفاءات في ظلّ حصارٍ خانق. وهذا ما يجعل الاعتراف الصهيوني أكثر وقعاً: فالدولة التي حُوصرت وعوقبت وجرى استهدافها سياسياً وعسكرياً، تمكّنت في الوقت ذاته من بناء قاعدة علمية تتفوق رقمياً على خصومها.

وهكذا، تكشف الأرقام ما تحاول الدعاية إنكاره: إنّ القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بترسانة السلاح، بل بترسانة العقول. وإذا كانت المواجهة اليوم تُدار في الميدان، فإنّ معركة الغد تُحسم في المختبرات والجامعات ومراكز البحث. ومن يملك القدرة على إنتاج المعرفة، يملك القدرة على إعادة رسم الخريطة.

إنّ قلق المؤسسة الصهيونية من التفوق العلمي الإيراني ليس مبالغة إعلامية، بل انعكاسٌ لوعيٍ داخلي بأنّ ميزان القوة يتغيّر بصمت. وحين تتكلم الأرقام، تسقط الشعارات، ويظهر أنّ المستقبل لا يُصنع في غرف العمليات وحدها، بل في قاعات الدرس، وبين أيدي المهندسين والعلماء.

رابط دائم : https://dzair.cc/oz9m نسخ

اقرأ أيضًا