الأحد 18 جانفي 2026

حين تسقط هالة القصر: تحقيق فرنسي يهزّ صورة محمد السادس ويكشف حكم الغياب والمال والظلّ

نُشر في:
حين تسقط هالة القصر: تحقيق فرنسي يهزّ صورة محمد السادس ويكشف حكم الغياب والمال والظلّ

نشرت مجلة ليكبرايس الفرنسية، بتاريخ 13 يناير 2026، تحقيقاً مطولاً بعنوان: «Mohammed VI, les secrets d’un roi : ses séjours parisiens, sa brouille avec Emmanuel Macron, sa vie privée» (محمد السادس، أسرار ملك: إقامته في باريس، وخلافه مع إيمانويل ماكرون، وحياته الخاصة)، وهو تحقيق استقصائي يستند إلى “مقتطفات حصرية” من كتاب الصحفي الفرنسي تييري أوبيرلي المعنون «Mohammed VI, le mystère» (محمد السادس اللغز)، الصادر عن دار فلاماريون. أهمية هذا التحقيق لا تكمن فقط في كونه صادراً عن واحدة من أعرق المجلات السياسية الفرنسية، بل في كونه يفتح، من داخل الإعلام الغربي ذاته، ملفاً ظلّ لسنوات محاطاً بالصمت أو المجاملة السياسية: طبيعة الحكم في المغرب، وحدود السلطة الفعلية، وكلفة الغموض على الدولة والمجتمع.

يقدّم التحقيق صورة لملك يحكم منذ ما يقارب سبعة وعشرين عاماً، لكن الضباب لا يزال يلف شخصيته ونمط حكمه. فبين خطاب “ملك الفقراء” الذي راج في بداية العهد، وصورة الحاكم الغائب الذي يدير بلاده عن بُعد، تتراكم الأسئلة حول من يحكم فعلياً المغرب. الصحفي الفرنسي يطرح، بلا مواربة، إشكالية الغياب الطويل للملك عن بلاده، إذ يكشف أن محمد السادس أمضى في بعض السنوات أكثر من نصف وقته خارج المغرب، خاصة في باريس، حيث تحوّلت الإقامة الخاصة إلى ما يشبه مركز ثقل شخصي وسياسي، حتى في فترات التوتر الحاد مع الرئاسة الفرنسية.

التحقيق لا يكتفي بوصف “ملك مسافر”، بل يتجاوز ذلك إلى الحديث عن وضع صحي مزمن ومعقّد، يوصف بأنه شديد الإعاقة ولا يُرجى شفاؤه، يضاف إليه – بحسب الكاتب – ميل نفسي دائم إلى الهروب من المجال الوطني. وهنا يطرح السؤال الأخطر: كيف تُدار دولة بمؤسساتها ومصالح شعبها في ظل غياب رأس السلطة الفعلي؟ وهل يمكن اختزال الحكم في مكالمات هاتفية وتوجيهات متقطعة، بينما تتراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية؟

ومن داخل ما يُعرف في المغرب بـ“المخزن”، يرسم التحقيق صورة بلاط تسوده الصراعات الصامتة، والتحالفات الهشة، وسقوط المقربين عند أول اختلال في ميزان الرضا. ويكشف عن صعود شخصيات مثيرة للجدل، مثل الإخوة زعيتر، وعلاقاتهم بعوالم مظلمة، في مشهد يعكس هشاشة الحدود بين السلطة والنفوذ غير الرسمي. هذه المعطيات، التي طالما وُصفت في المنطقة بالمحرّمات، تخرج اليوم إلى العلن من خلال قلم صحفي فرنسي، لا من خلال معارضين أو خصوم إقليميين.

الجانب المالي يشغل حيزاً مركزياً في التحقيق. فمحمد السادس، وفق معطيات مجلّة فوربس سابقاً ومصادر اقتصادية متقاطعة، يُعدّ أغنى رجل في المغرب وأحد أثرى ملوك إفريقيا. ثروة تضاعفت خلال سنوات الحكم، بفضل شبكات شركات قابضة، واستثمارات ضخمة في البنوك والمناجم والعقار، في ظل غياب شبه تام للشفافية بعد إخراج مجموعة “المدى” من البورصة. ويطرح التحقيق سؤالاً بديهياً لكنه ثقيل: كيف تتعايش هذه الثروة الهائلة مع أوضاع اجتماعية هشّة، وفوارق طبقية صارخة، ومناطق مهمّشة تعيش على وقع الاحتجاجات؟

ولا يتوقف الملف عند المال والغياب، بل يطرق باباً أكثر حساسية: ملف المخدرات. فبحسب شهادات وبحوث أكاديمية أوردها التحقيق، فإن اقتصاد “الكيف” في الريف ظلّ يُدار بمنطق الاحتواء لا التفكيك، وتحت إشراف غير مباشر من أعلى هرم السلطة. شهادات ناشطين وصحفيين مغاربة، انتهى بهم الأمر في السجون، تكشف كلفة كسر الصمت حول تواطؤ شبكات نافذة، بعضها بلغ البرلمان، في اقتصاد غير شرعي يضخّ عشرات الأطنان من القنب الهندي نحو أوروبا.

أما على الصعيد الخارجي، فيتوقف التحقيق مطولاً عند القطيعة الباردة بين محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خاصة بعد تفجّر فضيحة برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس”. فاتهام المغرب بالتجسس على مسؤولين فرنسيين، بينهم ماكرون نفسه، شكّل لحظة كسر ثقة غير مسبوقة. ورغم النفي الرسمي المغربي، يرسم التحقيق صورة علاقة متصدعة، لا تنفع معها المجاملات الدبلوماسية ولا الإقامات الباريسية الطويلة.

بالنسبة للقارئ الجزائري، لا يمكن قراءة هذا التحقيق بمعزل عن السياق الإقليمي. فالصورة التي يسعى النظام المغربي إلى تصديرها عن “الاستقرار” و“الحكمة الملكية” تتهاوى أمام معطيات صادرة من قلب الإعلام الفرنسي، لا من خصومه. وهو ما يفسّر، جزئياً، لجوء الرباط المتزايد إلى توظيف الخارج، والتحالف مع الكيان الصهيوني، ومحاولات تصدير الأزمات عبر استهداف وحدة دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر.

إن تحقيق L’Express لا يهاجم المغرب كدولة ولا الشعب المغربي، بل يعرّي نموذج حكم قائم على الغموض، والتركّز المفرط للثروة، وغياب المساءلة. وهو، من هذه الزاوية، وثيقة سياسية وإعلامية بالغة الدلالة، تكشف أن ما كان يُسوَّق لسنوات كـ“استثناء مغربي”، لم يعد مقنعاً حتى داخل العواصم التي طالما وفّرت الغطاء والدعم.

رابط دائم : https://dzair.cc/cfyz نسخ

اقرأ أيضًا