ليس خبراً مفرحاً أن “يعانق” ثلاثة شبّان من جيل زد الحرية بعد تخفيض أحكامهم استئنافياً، بقدر ما هو مناسبة كاشفة لاختلال أعمق في مقاربة الدولة المغربية للاحتجاج الشبابي والحريات العامة. فالحرية التي جاءت بعد استكمال العقوبة تقريباً لا تُرمِّم ظلماً، ولا تُعيد الاعتبار لحقٍّ انتهك، بقدر ما تفضح عبثية المسار برمّته.
ما الذي تغيّر جوهرياً بين الحكم الابتدائي والحكم الاستئنافي؟ التهم الثقيلة ذاتها كانت حاضرة: “إهانة موظفين عموميين” و“إهانة الضابطة القضائية”، قبل أن تسقط استئنافياً، ويُبقى فقط على جنحة “التجمهر غير المرخص”. هذا التحول وحده يطرح سؤالاً حقوقياً حاداً: كيف يُدان شباب بعقوبات سالبة للحرية بناءً على تكييف جنائي يُتراجع عنه لاحقاً؟ وأي كلفة نفسية واجتماعية وسياسية يدفعها المتابعون حين تُستعمل فصول فضفاضة لتأديبهم قبل أن تُسحب تحت ضغط الاستئناف؟
القضية، في جوهرها، ليست ثلاثة أسماء ولا ثلاثة ملفات. إنها نموذج لتجريم الاحتجاج السلمي، وتوسيع دائرة المتابعة الجنائية ضد شبابٍ يُفترض أن يكونوا في قلب النقاش العمومي لا في قفص الاتهام. فجنحة “التجمهر غير المرخص” تُستدعى، مرة أخرى، كشبكة أمان قانونية تُبقي سيف العقاب مرفوعاً، حتى عندما تسقط التهم الأثقل. هكذا تُدار المعادلة: إسقاطٌ شكلي لبعض التهم، مع الإبقاء على الحدّ الأدنى من الإدانة لضمان الردع.
الأخطر من ذلك هو الرسالة السياسية التي تخرج من هذه الوقائع. فحين تنتهي العقوبة قبل أن يُفرج عن المتابعين، يصبح الحكم الاستئنافي أقرب إلى إجراء بروتوكولي منه إلى تصحيح فعلي للخطأ القضائي. عدالة تصل متأخرة هي، في ميزان الحقوق، عدالة منقوصة. إذ لا تعويض عن الزمن المسلوب، ولا جبر ضرر عن وصمة الاعتقال، ولا مساءلة حقيقية عن قرار المتابعة من الأساس.
جيل زد، الذي يُفترض أنه شريك في بناء المستقبل، يُواجَه بمنطق أمني قديم، لا يرى في صوته إلا “تجمهراً”، ولا في غضبه الاجتماعي إلا “إهانة”. وبينما تتحدث الخطابات الرسمية عن إشراك الشباب، تذهب الممارسة في اتجاه معاكس: تضييق، متابعة، ثم إفراج صامت بعد انقضاء العقوبة.
إن هذه القضية تعيد وضع سؤال الحريات في المغرب في صلب النقاش: هل المطلوب هو تهدئة ظرفية عبر تخفيف الأحكام، أم مراجعة جذرية لترسانة قانونية تُستعمل لتجريم التعبير والاحتجاج؟ وهل يكفي أن يخرج الشباب من السجن، أم أن الواجب الحقوقي يقتضي مساءلة منطق المتابعة ذاته؟
الحرية، حين تأتي متأخرة، لا تكون منّة، بل تذكيراً قاسياً بأن المشكلة لم تُحل بعد.
