ما وقع قرب حدود الجزائر ليس تفصيلًا بروتوكوليًا ولا حادثًا عابرًا يمكن دفنه ببيان بارد أو تبرير سمج، بل فعل سياسي فاضح، مكشوف النوايا، عاري الدوافع.
أن تُرفع راية الكيان الصهيوني النجسة بمحاذاة أرض الجزائر، فذلك ليس مجرد استفزاز، بل إعلان اصطفاف غير أخلاقي، وتوقيع علني على شهادة سقوط مدوٍّ، فهنا لا نتحدث عن اختلاف رؤى أو تباين مواقف، بل عن انزلاق كامل إلى مستنقع العار.
المخزن: من نظام مخزي إلى وظيفة قذرة
المخزن لم يعد نظامًا سياسيًا، بل وظيفة إقليمية قذرة، تُدار بمنطق الخدمة لا السيادة، وبعقلية الوكيل لا الدولة، ومن يفقد السيادة، يفقد الحياء، ومن يفقد الحياء، لا يتردّد في تحويل حدوده إلى مسرح استفزاز رخيص، هذا السلوك ليس قطيعة مع الماضي، بل انسجام كامل معه.
تاريخ المخزن ليس تاريخ مقاومة أو تحرّر، بل تاريخ مراوغة، حماية، غدر، وانبطاح محسوب. من “حماية” فرنسية ضمنت بقاء العرش مقابل إخضاع الأرض، إلى “شراكات” مع كيان احتلالي تُمنح فيها الرمزية قبل أي شيء آخر.
عقدة الجزائر… وجنون المقارنة
الجزائر ليست مشكلة المخزن، لكنها عقدته المزمنة. دولة وُلدت من رحم الثورة، لا من غرف التفاوض، شرعيتها مكتوبة بالدم، لا بالأختام الأجنبية. ولهذا، كلما ضاق الخناق على المخزن داخليًا، وكلما تعرّت أزماته الاجتماعية والسياسية، اتّجه إلى الخارج بحثًا عن عدو وهمي، وظنّ أن استفزاز الجزائر قد يصنع له بطولة مصطنعة.
لكن المقارنة ظالمة أصلًا: الجزائر مشروع تحرّر، والمخزن مشروع بقاء بأي ثمن.
راية كيان الصوص… سقوط بلا أقنعة
رفع راية الكيان الصهيوني قرب حدود الجزائر ليس رسالة قوة، بل اعتراف صريح بالإفلاس، إفلاس أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا، فحين تحتاج إلى راية احتلال لتثبيت وجودك الرمزي، فهذا يعني أنك فشلت في بناء أي شرعية داخلية محترمة.
الجزائر لا تُستدرج، الجزائر لا تنجرّ إلى الاستفزازات، لأنها أكبر من الاستعراضات،
وأعمق من الضجيج، وأثبت من أن تهزّها قطعة قماش صهيونية دخيلة.
هي دولة تعرف من هي، وتعرف أين تقف،
ولا تحتاج إلى رفع صوتها كل مرة لتذكير الآخرين بمكانتها، كانت مع فلسطين حين كان الصمت سياسة، وكانت مع القضايا العادلة حين كان الانبطاح “حكمة”،
وستبقى كذلك، لأن المواقف عندها ليست موسمية.
ما جرى على الحدود ليس حادثة، بل مؤشّر خطير على مستوى الانحدار الذي بلغه المخزن، إنه نظام يهرب من أزماته إلى الاستفزاز، ومن فشله الداخلي إلى العداء المفتعل، ومن غياب الشرعية إلى الارتماء في أحضان الاحتلال.
