بينما كانت أضواء مراكش الحمراء تتلألأ في عيون السياح، كانت هناك جدران صماء في “رياض” المدينة العتيقة تخفي خلفها أنيناً لا يسمعه أحد. اليوم، ومع سقوط الأقنعة في باريس وتوقيف الوزير الفرنسي الأسبق جاك لانغ وابنته بتهم غسل أموال مرتبطة بـ “إمبراطورية الرعب” جيفري إبستين، ينفجر المسكوت عنه: كيف أصبح المغرب “الحديقة الخلفية” لأبشع جرائم البيدوفيليا العالمية تحت غطاء النفوذ السياسي؟
الصداقة المسمومة: لانغ وإبستين في حماية المخزن
لم تكن علاقة جاك لانغ بالمغرب مجرد علاقة حب للثقافة، بل كانت تحالفاً استراتيجياً وفر له “حصانة سيادية”. التقارير والتحقيقات الجارية تكشف أن لانغ، الذي أُقيل مؤخراً من رئاسة معهد العالم العربي، لم يكن وحده؛ بل كانت زوجته مونيك هي “سمسارة القصور” التي سهلت لإبستين شراء وكره النجس في مراكش بأكثر من 5 ملايين يورو.
هذا القصر لم يكن للسكن، بل كان فرعاً إقليمياً لإمبراطورية إبستين، حيث تم استدراج القاصرات والفقراء تحت غطاء “السياحة النخبوية”، وبتسهيلات أمنية وإدارية من نظام المخزن الذي يرى في هؤلاء النافذين الفرنسيين خطاً أحمر لا يمكن المساس به، مقابل دورهم كـ “لوبي” يدافع عن مصالح النظام في المحافل الدولية.
عقيدة “السياحة مقابل السيادة”: لماذا سكت المخزن؟
تؤكد التقارير أن السياسة السياحية المنتهجة اعتمدت لسنوات على “التساهل” المطلق مع النخبة الغربية مقابل جلب العملة الصعبة وضمان الولاء السياسي. لقد تم تحويل قطاع السياحة في المغرب إلى “منطقة حرة” من الأخلاق والقانون، حيث يُسمح لـ “وحوش البشر” بممارسة ساديتهم مقابل دعم سياسات النظام الفاسد، مما خلق بيئة خصبة لظاهرة البيدوفيليا العابرة للحدود.
لغة الأرقام: صرخة الضحايا في مواجهة “الحصانة”
خلف الستائر المخملية، تكشف لغة الأرقام الصادرة عن منظمات حقوقية (مثل جمعية “ماتقيش ولدي”) عن واقع مرير يجسد ظاهرة “الإفلات من العقاب”:
حجم الظاهرة: تسجيل أكثر من 12,000 حالة اعتداء جنسي على الأطفال سنوياً، تتركز أغلبها في المثلث السياحي (مراكش، أكادير، طنجة).
فضيحة دانيال غالفان: تظل قضية “العفو الملكي” عن البيدوفيلي الإسباني غالفان عام 2013 (الذي اغتصب 11 طفلاً) شاهداً تاريخياً على أن الحماية السياسية للأجانب تعلو فوق كرامة الطفل المغربي.
الهروب الهادئ: منذ تسعينات القرن الماضي، توالت الفضائح لمسؤولين فرنسيين كبار ضُبطوا متلبسين، لكن الملفات كانت تُغلق بأوامر عليا “حفاظاً على العلاقات الدبلوماسية”، أو يُكتفى بترحيلهم دون محاكمة.
السقوط المدوي لـ “عراب الثقافة”
توقيف جاك لانغ والتحقيق معه الآن بتهم غسل الأموال والارتباط بشبكة إبستين هو زلزال يضرب أركان الدولة العميقة في فرنسا والمغرب على حد سواء. إنها لحظة الحقيقة التي تكشف أن تلك “الرياض” الفاخرة لم تكن إلا أوكاراً لغسل الأموال القذرة، ومسارح لجرائم يندى لها الجبين.
إن سقوط رؤوس كبيرة مثل إبستين وملاحقة شركائه مثل جاك لانغ، يضع منظومة المخزن في مواجهة مباشرة مع إرث من التغاضي الممنهج. فالسياحة التي تُبنى على انتهاك براءة الأطفال مقابل النفوذ السياسي هي قنبلة موقوتة بدأت شظاياها تضرب أروقة القرار في باريس والرباط، معلنةً نهاية زمن “الحصانة المقدسة” للمجرمين ببدلات رسمية.
