في مشهد يختزل براعة الخطاب الرسمي في تحويل الإحراج إلى “توضيح تقني”، خرجت السلطات المغربية لتطمئن الرأي العام: لا داعي للقلق، فشحنة أمعاء الخنازير القادمة من روسيا ليست موجهة للاستهلاك المحلي… بل للصناعة والتصدير. وكأن المشكلة في نظر الناس كانت بلد المقصد، لا طبيعة المادة ذاتها ولا دلالاتها في مجتمع تُرفع فيه شعارات الخصوصية الدينية صباح مساء.
القصة بدأت بتداول خبر استيراد 22.2 طنًا من أمعاء الخنازير المملحة من مقاطعة كورسك الروسية، ما فجّر موجة استغراب وسخرية على منصات التواصل في بلد يغلب عليه الطابع الإسلامي. لكن الرد الرسمي جاء سريعًا عبر مصادر من المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، ليؤكد أن الأمر “عادي جدًا” وأن المغرب يستورد هذه الأمعاء منذ عقود، وأنها لا تُستهلك محليًا بل تُعالج داخل وحدات صناعية قبل إعادة تصديرها.
هنا بالضبط يبدأ ما يمكن تسميته بمنطق “ربّ عذر أقبح من ذنب”. فبدل تبديد التساؤلات، يفتح التوضيح الرسمي بابًا أوسع: إذا كان الاستيراد قائمًا منذ عقود وبكميات كبيرة، فلماذا لم يكن الرأي العام على علم؟ وإذا كانت الأمعاء لا علاقة لها بالسوق المحلية، فما الذي يضمن عمليًا الفصل الصارم بين مسارات التصدير والاستهلاك؟ ثم كيف يستقيم خطاب “الخصوصية الغذائية” مع نشاط صناعي قائم على مادة محرّمة دينيًا، حتى لو كان موجّهًا للخارج؟
السلطات حرصت أيضًا على التأكيد أن نحو 15 شركة تنشط في هذا القطاع ضمن إطار مهني منظم، وأنها تلتزم بمعايير صحية دقيقة قبل إعادة التصدير. غير أن هذا التأكيد، بدل أن يهدئ الجدل، يعمّقه: نحن إذن أمام صناعة مستقرة ومهيكلة، لا حادثًا معزولًا. أي أن المسألة ليست شحنة روسية طارئة، بل نشاطًا اقتصاديًا راسخًا ظل بعيدًا عن النقاش العمومي، إلى أن كشفته صدفة المنشأ هذه المرة.
المفارقة الأكثر لفتًا أن مهنيين في القطاع شددوا على أن النقانق والمنتجات المحلية تعتمد على أمعاء الأبقار والخرفان أو أمعاء “حلال” مستوردة، في محاولة لفصل صارم بين “ما يُصدَّر” و“ما يُستهلك”. لكن هذا الفصل النظري يصطدم بمنطق أبسط لدى الرأي العام: لماذا تتحول البلاد أصلًا إلى منصة لمعالجة مادة يُفترض أنها مرفوضة دينيًا وثقافيًا؟ وهل يكفي ختم “للتصدير” لتجاوز التناقض بين الخطاب القيمي والممارسة الاقتصادية؟
في النهاية، لم ينجح “توضيح” سلطات المخزن في إغلاق الجدل بقدر ما أعاد صياغته: القضية لم تعد فقط أمعاء خنازير روسية، بل نموذج إدارة رسمية للأزمات يقوم على التقليل من حساسية المجتمع، والافتراض أن الشرح التقني كافٍ لاحتواء أي تناقض. وهنا تحديدًا يصبح العذر أقبح من الذنب: لأن ما كُشف لم يكن شحنة، بل فجوة ثقة.
