في قراءةٍ معمّقةٍ للمشهد الإعلامي العبري خلال اليومين الأولين من الحرب، وبالاستناد إلى التقارير التحليلية التي قدّمها الدكتور حسن لافي، عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، يتّضح أنّ السردية التي حاول الإعلام الصهيوني تسويقها باعتبارها «نصراً افتتاحياً حاسماً» لم تكن سوى محاولةٍ متعجّلة لإخفاء ارتباكٍ استراتيجي أخذ يتسلّل إلى الاستوديوهات قبل أن يظهر في الميدان.
منذ اللحظة الأولى، فُتح البث المباشر على مدار الساعة، وانتقلت القنوات بين استوديو محصّن داخل ملجأ، وآخر يطلّ على أفق تل أبيب. كانت الصورة مدروسة بعناية: مذيعون بثباتٍ مصطنع، خرائط رقمية، محللون عسكريون بلهجةٍ حاسمة، وعبارات تتكرّر بإيقاع تعبوي: «إنجاز استراتيجي غير مسبوق»، «تغيير قواعد اللعبة»، «استهداف مركز القرار الإيراني». غير أنّ ما بين السطور، بل أحياناً على الهواء مباشرة، كان يكشف عن قلقٍ لا تخطئه العين.
داخل الاستوديوهات، طُرحت أسئلة لم تستطع لغة الانتصار أن تُخفي حدّتها. أحد المحللين تساءل: «إذا كانت إيران قادرة على إطلاق هذا العدد من الصواريخ بعد الضربة الافتتاحية، فما الذي تغيّر فعلاً؟». آخر أشار إلى «احتمال وجود منصات إطلاق متنقلة لم تُصب»، بينما حذّر ضابط احتياط من أن «تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف سيضع الجبهة الداخلية أمام اختبار قاسٍ». وهكذا تحوّل الخطاب من إعلان حسمٍ مبكر إلى نقاشٍ مفتوح حول فعالية الضربة وحدودها.
وقد حاول الإعلام الصهيوني تصوير الضربة المشتركة مع الولايات المتحدة بوصفها ذروة التنسيق الاستراتيجي، مع إبراز دور واشنطن في التخطيط والدعم، والتأكيد أنّ الحرب ليست مغامرة منفردة. إلا أنّ هذا الإلحاح ذاته كشف عن هاجسٍ عميق: ماذا لو تراجعت واشنطن؟ ماذا لو لم يحتمل الداخل الأميركي كلفة المواجهة؟ وقد خُصصت مساحات واسعة لتحليل وضع الرئيس دونالد ترامب، مع الإشارة إلى ضغوط داخلية واعتراضات سياسية قد تحدّ من هامش استمراره في الحرب، ما عكس خوفاً حقيقياً من اهتزاز الغطاء الأميركي.
وفي موازاة ذلك، احتفت الشاشات باغتيال قيادات إيرانية، وقدّمت الحدث بوصفه «فرصة لتغيير النظام»، مردّدةً تصريحات بنيامين نتنياهو التي دعت الإيرانيين إلى استغلال اللحظة. لكنّ بعض المحللين عادوا ليعترفوا بأنّ «لا مؤشرات على انتفاضة داخل إيران»، وأنّ «القصف الخارجي قد يدفع الشعب الإيراني إلى الالتفاف حول قيادته». وهكذا بدأت نبرة الخطاب تتبدّل من يقينٍ متغطرس إلى حذرٍ متردّد.
ومع استمرار الرشقات الصاروخية التي طالت عمق المدن المحتلة، ظهرت على الشاشات صور الملاجئ المكتظة، والمطارات المغلقة، وتعطّل الحياة العامة. قال أحد المعلقين الاقتصاديين: «الاقتصاد لن يحتمل طويلاً إذا استمرت الصواريخ»، بينما تساءل آخر: «هل لدينا ملاجئ كافية لكل هذا العدد من السكان؟». لقد حاولت القنوات طمأنة الجمهور، لكنها لم تستطع إخفاء مشاهد الخوف الجماعي.
ثم جاء دخول حزب الله إلى ساحة المواجهة ليغيّر لهجة الاستوديوهات جذرياً. وصف جنرال متقاعد الحدث بأنه «أسوأ سيناريو استراتيجي»، وقال آخر إن «فتح جبهة الشمال سيشتت سلاح الجو ويضاعف الضغط على الجبهة الداخلية». وتردّد السؤال في أكثر من برنامج: «هل نحن أمام حرب إقليمية متعددة الجبهات؟». كان ذلك اعترافاً واضحاً بأنّ الحسابات الأولى لم تكن دقيقة.
لقد سعت ماكينة الدعاية الصهيونية إلى إعلان الحسم منذ الساعات الأولى، لكن الوقائع الميدانية، كما نقلتها حتى شاشاتهم، أثبتت أنّ إيران دولة قادرة على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم صفوفها، وأنّ قدرتها الصاروخية ما تزال حاضرة رغم شدة العدوان. ومع كل رشقة جديدة، كانت أسئلة المحللين تتكاثر، ومع كل صافرة إنذار، كانت لغة الانتصار تتراجع خطوة.
إنّ ما جرى في الاستوديوهات العبرية لم يكن مجرّد تغطية إعلامية، بل كان مرآةً لقلقٍ استراتيجي حقيقي. فقد كشفت النقاشات عن خوفٍ من طول أمد الحرب، وعن خشية من استنزاف الجبهة الداخلية، وعن إدراكٍ بأنّ تغيير الأنظمة بالقصف ليس إلا وهماً سياسياً. وهكذا تحوّلت الاستوديوهات من منصّات تعبئة إلى مساحات اعتراف غير مباشر بأنّ المعركة لم تُحسم.
إنّ اليومين الأولين من الحرب لم يكونا إعلاناً لانتصار المعتدين، بل شهادةً جديدةً على أنّ إرادة الشعوب لا تُكسر باغتيال قائد، ولا تُخضع بقصف مدينة. لقد أراد الإعلام الصهيوني أن يعلن نهاية إيران، فإذا به يكشف بداية مرحلة جديدة من انكشاف المشروع الصهيوني نفسه، أمام صمود دولةٍ تعرف كيف تصبر، وشعبٍ يعرف كيف يلتفّ حول كرامته، وتاريخٍ لا يُكتب في الاستوديوهات، بل في ميادين الصمود والثبات.
