شنت الأكاديمية والناشطة الحقوقية المغربية، لطيفة البوحسيني، هجوماً لاذعاً على “ماكينة التطبيع” وأذرعها الإعلامية والفكرية في الداخل، معتبرة أن الهجوم الممنهج على التيارات المساندة للمقاومة الفلسطينية يتجاوز مجرد الخلاف السياسي ليرقى إلى مستوى “مشروع وصاية” جديد يهدد كيان الدولة المغربية. وحذرت البوحسيني من أن محاولات بناء سردية “التصالح” مع الكيان الصهيوني تهدف في جوهرها إلى إخضاع المغرب واستغلال أرضه وتحويله إلى قاعدة متقدمة لخدمة أوهام “إسرائيل الكبرى” على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وسيادة الأوطان.
وترى القراءة الحقوقية أن قرار التطبيع لم يسقط من السماء، بل سبقه تمهيد لسياسة “تزييف الوعي” عبر شعارات تضليلية مثل “تازة قبل غزة”، والتي تسعى لضرب الفطرة الوطنية والقومية للمغاربة. إن استثمار “ماكينة التطبيع” في بعض الصحفيين والجامعيين وحتى تجار الدين، يهدف إلى إنتاج سردية تضع القضية الفلسطينية في تضاد مفتعل مع القضية الوطنية، وهو ما وصفته البوحسيني بـ “العمالة ضد الوطن” المغلفة بدغدغة المشاعر الوطنية الزائفة لتحقيق ربح سريع ومراكمة ثروات على أنقاض الأخلاق والمبادئ.
واستنكرت البوحسيني محاولات السخرية من الرموز المقاومة، كالكوفية الفلسطينية، واستخدام الصراعات المذهبية (سنة وشيعة) لترهيب المغاربة من مساندة القوى الإقليمية التي تدعم المقاومة. وأكدت أن “سعار المتصهينين” تزايد مع وضوح الرؤية لدى الشعب المغربي الذي لا يخطئ في الفرز بين المدافع عن أرضه وبين العميل؛ فالمواطنة الحقة في نظرها هي الوقوف سداً منيعاً ضد مشروع التوسع الصهيوني الذي يخطط لاستعباد المواطنين واستغلال الأرض المغربية تحت مسميات “تنموية” و”أمنية” واهية.
إن تشبيه التطبيع الحالي بنظام “الحماية” الفرنسي يعري حقيقة المخاوف من فقدان الاستقلال الوطني؛ حيث تجتهد “أذرع المخزن” لإيجاد صيغ قانونية تشرعن التبعية للكيان الصهيوني. غير أن هذا المخطط، بحسب التحليل، يصطدم بصخرة الوعي السياسي والالتزام الأخلاقي لقطاعات واسعة من المغاربة الذين يرفضون المقايضة بالحقوق التاريخية. فالوطنية لا تكتمل إلا برفض الظلم الذي هو “مؤذن بخراب العمران”، وأي محاولة لصهينة المجتمع من الداخل هي طعنة في وجدان تاريخي ممتد منذ نكبة 1948.
وتخلص الرؤية الحقوقية إلى أن التحام المغاربة حول مبدأ العدالة هو الضمانة الوحيدة لإنقاذ البلاد من مخالب “الصهيونية الداخلية والخارجية”. إن استثمار هذا الوعي الشعبي المتنامي ضرورة ملحة للوقوف في وجه “لقطاء الأوليغارشية الريعية الفاسدة” الذين يبيعون الوطن في سوق المزايدات الدولية. فالمعركة اليوم ليست معركة “أولويات” كما يروج المستفيدون من التطبيع، بل هي معركة وجود وسيادة وطنية تتطلب تطهير الجبهة الداخلية من “سماسرة السياسة” الذين يرهنون مستقبل المغرب لمشاريع استعمارية عابرة للحدود.
