لم تعد الكوارث الطبيعية في المغرب مجرد أحداث عابرة تُواجَه بإجراءات ظرفية وخطابات مطمئنة، بل تحوّلت إلى مرآة فاضحة لعجز سلطات المخزن وحكومته عن حماية المواطنين، وصون ممتلكاتهم، والتصرف بمنطق الدولة لا بمنطق القوة. ما تكشفه الفيضانات الأخيرة، وما رافقها من قرارات ارتجالية وهدم للمنازل خارج الضمانات القانونية، ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل تدبير مأزوم يراكم الأخطاء ويعمّق الإحساس بالظلم والتهميش.
في مناطق منكوبة تُركت لسنوات خارج أولويات الاستثمار والحماية، ظهرت هشاشة البنيات التحتية وانكشاف السياسات العمومية التي لم تستوعب التحولات المناخية ولا تواتر الظواهر القصوى. بدل مراجعة جذرية لمخططات الحماية من الفيضانات، وفرض معايير صارمة في التعمير، وتحيين سياسة إعداد التراب الوطني، تواصل السلطات نهج الهروب إلى الأمام، مكتفية بإطفاء الحرائق سياسياً، لا بمعالجة أسبابها البنيوية.
الأخطر من ذلك، أن تدبير ما بعد الكارثة اتخذ طابعاً قمعياً في بعض المناطق، حيث جرى اللجوء إلى هدم منازل خلال فصل الشتاء دون استكمال المساطر القانونية الواجبة، ودون تعويض منصف، ودون توفير بدائل تحفظ كرامة الأسر المتضررة. هذا السلوك لا يعكس فقط غياب الحس الإنساني، بل يضرب في العمق مبدأ سيادة القانون، ويحوّل الضحية إلى متهم، والمواطن إلى عبء يجب التخلص منه باسم “التنظيم” و“السلامة”.
اقتصادياً، تزامنت الكوارث مع انفلات الأسعار وغياب أي رقابة فعلية على المضاربين وتجار الأزمات. السوق تُركت نهباً للاحتكار، والفلاحون تُركوا يواجهون خسائر المحاصيل ونفوق المواشي دون دعم كافٍ أو رؤية واضحة لتعويضهم، فيما فشلت الحكومة في تفعيل آليات التأمين ضد الكوارث، رغم وجود ترسانة قانونية ظلت حبيسة الرفوف.
سياسياً وتشريعياً، يتعمق الاحتقان مع إصرار الحكومة على تمرير قوانين مصيرية بمنطق الأغلبية العددية، دون حوار حقيقي مع المعنيين، ودون احترام لدور البرلمان أو لملاحظات مؤسسات الحكامة. تشريعات تُفرَض بالقوة، لا بالتوافق، تُنتج نصوصاً مثقلة بالثغرات، وتفتح الباب أمام أزمات جديدة، كما هو الحال في مشروع قانون مهنة المحاماة، الذي فجّر مواجهة غير مسبوقة مع هيئة يفترض أنها ركيزة من ركائز العدالة.
هذا النهج الانفرادي، القائم على تهميش الفاعلين الاجتماعيين، وتجاهل المعارضة، والاستخفاف بالرقابة البرلمانية، يكشف غياب رؤية ديمقراطية حقيقية، ويؤكد أن الحكومة لا تتحرك بمنطق الصالح العام، بل بمنطق خدمة مصالح ضيقة، في ظل حالات فاضحة لتضارب المصالح وسوء الحكامة.
في المحصلة، ما يعيشه المغرب اليوم ليس أزمة فيضانات فقط، ولا خلافاً تشريعياً عابراً، بل أزمة ثقة شاملة بين المجتمع وسلطات المخزن. أزمة تُغذّيها سياسات فاشلة، وتدبير سلطوي، وانسداد أفق اجتماعي. ومع استمرار هذا المسار، يصبح الاحتقان قابلاً للانفجار في أي لحظة، ما لم يُفتح الباب أمام تغيير حقيقي، يقوم على المحاسبة، واحترام القانون، وإشراك المواطنين في القرار، بدل معاملتهم كأرقام هامشية في معادلة سلطة فقدت بوصلتها.
