استفاق الشعب المغربي على وقع صدمة طاقوية جديدة مع دخول زيادات قياسية في أسعار المحروقات حيز التنفيذ، حيث قفزت أسعار البنزين والغازوال بزيادات تراوحت بين درهم ونصف ودرهمين للتر الواحد. هذه القفزة الصاروخية تأتي لتجهز على ما تبقى من القدرة الشرائية للمواطن المنهك، وتؤكد مرة أخرى أن نظام المخزن اختار التخلي الكلي عن حماية جبهته الداخلية تاركاً المغاربة يواجهون وحدهم جشع كارتيلات النفط المقربة من دوائر السلطة.
وتذرعت شركات المحروقات في تبريرها لهذه القفزة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتعثر الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهي تبريرات يراها مراقبون مجرد غطاء لتمرير أرباح فاحشة. إن تزامن هذه الزيادات مع منتصف الشهر، وفي ظل غياب أي إجراءات استباقية من الحكومة، يثبت أن مؤسسات المخزن باتت مجرد صدى لمطالب اللوبيات الاحتكارية التي تقتات على الأزمات الدولية لتراكم ثرواتها بدم بارد على حساب لقمة عيش الفقراء.
ومن المتوقع أن تشعل هذه الزيادة في أسعار الوقود فتيل الغلاء في مختلف المواد الأساسية والسلع الاستهلاكية، مما ينذر بموجة تضخم غير مسبوقة. وقد حذرت أصوات حقوقية ونقابية من أن صمت الحكومة المغربية وتجاهلها للدعوات المطالبة بالتدخل العاجل لتسقيف الأسعار أو دعم الفئات المتضررة، هو بمثابة دفع متعمد نحو الانفجار الاجتماعي، في ظل احتقان شعبي بلغ ذروته بسبب توالي النكسات الاقتصادية وفشل السياسات العمومية.
إن ارتهان السوق المغربية الكلي للتقلبات الخارجية يبرز الفشل الذريع في بناء أمن طاقوي حقيقي يحمي البلاد من الصدمات. فبينما تواصل اللوبيات تكديس الأموال، يجد المواطن البسيط نفسه مجبراً على دفع ثمن خيارات سياسية لم يشارك فيها، وضريبة تحالفات لم تجلب للمملكة سوى التبعية والارتهان. هذا الواقع المرير يعري زيف الخطابات الرسمية حول الدولة الاجتماعية ويؤكد أن الأولوية في مغرب اليوم هي لتنمية أرصدة “أعيان المخزن” لا لتأمين كرامة المواطن.
وتقف المملكة اليوم على مفترق طرق خطير، حيث لم تعد مسكنات الخطاب السياسي قادرة على كبح غضب الشارع الذي يرى ثرواته تُنهب وأسعار وقوده تُحدد في غرف مغلقة بعيداً عن الرقابة الشعبية. إن الحقيقة التي يهرب منها المخزن هي أن الاستقرار لا يُبنى بالديون والتبعية، بل بالسيادة الوطنية والعدالة في توزيع الأعباء، وهي مفاهيم يبدو أنها سقطت من قاموس نظام يفضل الاستثمار في السجون والقمع على الاستثمار في أمن شعبه الطاقوي والمعيشي.
