لم تكن الواقعة التي كشفها الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي المغربي، حسن أوريد، عن تدخين الملك الراحل الحسن الثاني سيجارة في نهار رمضان سنة 1961، مجرد حكاية إنسانية عابرة كما حاول البعض تقديمها، بل لحظة رمزية مكثفة تكشف طبيعة العلاقة الملتبسة بين السلطة والدين في نظام المخزن المغربي.
ففي الوقت الذي يفرض فيه النظام المغربي قيوداً صارمة على المواطنين في الفضاء العام خلال شهر رمضان، ويجرّم الإفطار العلني ويلاحق الشباب والعمال والفقراء بتهم انتهاك حرمة الشهر، تظهر هذه الشهادة لتذكر بأن قمة هرم السلطة نفسها تعاملت مع الشعيرة الدينية بمنطق مختلف تماماً: منطق الامتياز، لا منطق الالتزام.
واقعة بسيطة بمعانٍ سياسية عميقة
يروي حسن أوريد، نقلاً عن القيادي الاستقلالي محمد بوستة، أن الحسن الثاني أشعل سيجارة في نهار رمضان يوم وفاة والده محمد الخامس، وقال: «غادي نردّو» (سأقضي الصيام لاحقاً).
وقد قُدّمت الرواية على أنها تعبير عن صدمة إنسانية لفقدان الأب، لكن القراءة السياسية لا تتوقف عند هذا التبرير العاطفي.
فالمغاربة، على امتداد عقود حكم الحسن الثاني نفسه، لم يكونوا يملكون رفاهية تعليق الصيام بسبب الحزن أو الظروف النفسية أو المهنية. القانون كان واضحاً: الإفطار العلني جريمة. والعقوبة لا تميّز بين صدمة أو تعب أو قهر اجتماعي.
وهنا تظهر المفارقة الفاقعة: ما هو مفهومٌ كاستثناء إنساني للملك، كان يُجرَّم اجتماعياً وقانونياً إذا صدر عن المواطن العادي.
المخزن والدين.. أداة ضبط لا ممارسة شخصية
تاريخياً، بنى النظام المغربي شرعيته على الجمع بين السلطتين السياسية والدينية عبر لقب «أمير المؤمنين». لكن هذه الشرعية لم تُترجم يوماً إلى مساواة دينية بين الحاكم والمحكوم، بل إلى احتكار رسمي للدين واستخدامه أداة للضبط الاجتماعي.
فالسلطة في المغرب لا تكتفي بإدارة الشأن الديني، بل تفرض نموذجاً رسمياً للتدين في الفضاء العام، وتراقب السلوك الفردي للمجتمع باسم حماية «الثوابت».
وفي هذا السياق، يصبح الصيام مسألة بوليسية، يخضع فيها المواطن للمراقبة والعقاب، بينما تبقى السلطة فوق المعايير نفسها التي تفرضها.
واقعة السيجارة ليست إذن حدثاً معزولاً، بل تجسيد مبكر لمنطق سيستمر طويلاً: دين الدولة يُفرض على المجتمع، لكنه لا يُفرض على الدولة نفسها.
“إنسانية الملك” وغياب إنسانية النظام
قد يكون الحسن الثاني، في تلك اللحظة، إنساناً مفجوعاً بوفاة والده، وهذا أمر طبيعي. لكن السؤال الذي تطرحه الواقعة ليس عن “إنسانية الملك”، بل عن إنسانية النظام الذي حكم باسمه.
فهل أتاح المخزن لمواطنيه هامشاً إنسانياً مشابهاً؟
هل اعترف القانون المغربي بالصدمة أو المرض النفسي أو ظروف العمل القاسية كأسباب تخفف الإلزام العلني بالصيام؟
الجواب معروف: لا.
بل إن عشرات القضايا سنوياً كانت تُرفع ضد مفطرين في رمضان، معظمهم من الفئات الهشة، في وقت لم تُطرح فيه يوماً مساءلة أخلاقية حول علاقة السلطة نفسها بالشعيرة التي تحرسها قانونياً.
من الحكاية إلى البنية
تكمن أهمية شهادة أوريد في أنها تكسر، ولو جزئياً، الصورة القدسية التي أحاط بها المخزن المؤسسة الملكية لعقود. فهي تُظهر أن الحاكم نفسه كان يتعامل مع الدين كخيار فردي في لحظة ما، بينما حُوّل الدين في عهد حكمه إلى نظام إلزام جماعي على المجتمع.
وهذا التناقض ليس تفصيلاً شخصياً، بل سمة بنيوية في أنظمة الحكم التقليدية:
السلطة تحتكر تفسير الدين، وتفرضه على الفضاء العام، لكنها تحتفظ لنفسها بهامش استثناء غير معلن.
سيجارة تكشف أكثر مما تخفي
لا تكمن دلالة الواقعة في أن الحسن الثاني دخن سيجارة في نهار رمضان، بل في ما تكشفه عن طبيعة السلطة في مغرب المخزن:
سلطة تفرض التقوى اجتماعياً، وتحتفظ لنفسها بالاستثناء سياسياً.
ومن هنا تتحول الحكاية الصغيرة إلى مرآة كبيرة:
مرآة لنظام ظل لعقود يقدم نفسه حارساً للدين، بينما يعامل الدين في العمق كأداة شرعية، لا كالتزام متساوٍ بين الحاكم والمحكوم.
إنها، في النهاية، قصة سيجارة واحدة.. لكنها تكفي لإضاءة التفاوت العميق بين مغرب السلطة ومغرب المجتمع.
