في مشهد يعكس تصدعات متزايدة داخل منظومة الحكم بالمغرب، خرج حزب العدالة والتنمية بانتقادات حادة لحكومة عزيز أخنوش، متهماً إياها بتجاهل إقصاء آلاف الأسر من الدعم الاجتماعي المباشر، وبالسعي إلى التحكم في قطاع الإعلام، في خطوة تكشف حجم التوتر داخل ما يُعرف بـ“بيت المخزن” أكثر مما تعكس مجرد معارضة حزبية تقليدية.
فالحزب الذي قاد الحكومة لسنوات قبل أن يُدفع إلى الهامش السياسي بعد انتخابات 2021، لم يكتف هذه المرة بانتقاد السياسات الاجتماعية، بل وجه سهاماً مباشرة إلى طريقة إدارة الدولة لملفات حساسة، من الدعم الاجتماعي إلى الإعلام وهيئات الحكامة. وهو ما يمنح هذا الموقف بعداً يتجاوز التنافس الحزبي، ليصبح جزءاً من صراع أجنحة داخل منظومة السلطة نفسها، حيث يتواجه جناح “التدبير التقني النيوليبرالي” الذي يمثله أخنوش مع جناح “الإسلام السياسي المؤسساتي” الذي مثّله الحزب سابقاً.
جوهر الانتقاد تمثل في ما وصفه الحزب بإقصاء الأسر من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر بسبب المؤشر والعتبة المعتمدين، معتبراً أن حكومة المخزن تجاهلت الشكاوى ولم تتفاعل مع الاختلالات، واكتفت بالإشادة الذاتية بالبرنامج. وهذا الاتهام يضرب في صميم أحد أبرز المشاريع الاجتماعية التي يروج لها المخزن كعنوان لـ“الدولة الاجتماعية الجديدة”. فحين تعترف قوة سياسية وازنة بوجود إقصاء واسع، فإن صورة الإصلاح الاجتماعي تتحول إلى مجرد سردية رسمية لا تعكس الواقع المعيشي للفئات الهشة.
كما لم يخف الحزب قلقه مما اعتبره سعياً للتحكم في الإعلام، مستشهداً بالتخبط الحكومي في مشاريع قوانين تنظيم القطاع، وسحب نصوص بعد إدراجها، وهو ما وصفه بغياب القيادة والانسجام. وهذه النقطة تحديداً تكشف حساسية ملف الإعلام داخل النظام المغربي، حيث ظل تاريخياً مجالاً خاضعاً لتوازنات السلطة أكثر من كونه فضاءً عمومياً مستقلاً. لذلك فإن اتهام حكومة قائمة بمحاولة التحكم يحمل دلالة أعمق: اعتراف ضمني باستمرار المقاربة السلطوية في إدارة المجال الإعلامي.
غير أن الأهم في هذا السجال ليس مضمونه الظاهري، بل سياقه السياسي. فالعدالة والتنمية، رغم تراجعه الانتخابي، لا يزال جزءاً من النسيج المخزني المؤسساتي، وبالتالي فإن انتقاده لا يستهدف النظام بقدر ما يعكس صراع مواقع داخله. ومن هنا تبدو المفارقة واضحة: حزب كان يدير السياسات نفسها تقريباً حين كان في السلطة، يعود اليوم لانتقادها من موقع المعارضة، في حين تستمر البنية العميقة للقرار دون تغيير.
كما أن دعوة الحزب إلى توسيع لائحة المناطق المنكوبة وتعويض كل ضحايا الفيضانات، تكشف استمرار التفاوتات المجالية التي تميز النموذج التنموي المغربي، حيث تتكرر الكوارث الطبيعية في مناطق مهمشة دون استجابة عادلة وسريعة. وهو ما يعيد طرح السؤال حول فعالية الدولة الاجتماعية التي تُرفع كشعار رسمي، بينما يشكو المواطنون المغاربة من بطء التعويض والإقصاء الإداري.
في المحصلة، يوضح هذا السجال أن الأزمة ليست فقط في حكومة أخنوش أو في معارضة العدالة والتنمية، بل في نموذج حكم يقوم على مركزية القرار وضعف المساءلة وتغليب الاعتبارات السياسية على العدالة الاجتماعية. لذلك فإن انتقاد الحزب، رغم حدته، لا يغير حقيقة أساسية: أن السياسات الاجتماعية والإعلامية في المغرب تُدار ضمن حدود المخزن نفسه، مهما تبدلت الحكومات والأحزاب.
وهكذا، يكشف الجدل حول الدعم الاجتماعي والإعلام عن مفارقة السياسة المغربية: صراعات داخلية صاخبة، لكنها تدور كلها داخل الإطار نفسه، دون مساس بجوهر السلطة. وفي هذا السياق، تبدو انتقادات العدالة والتنمية أقل تعبيراً عن معارضة حقيقية، وأكثر دلالة على تنافس داخل منظومة واحدة، حيث يختلف الفاعلون حول التسيير، لا حول طبيعة النظام.
