تحت مطرٍ إسباني بارد، تقف طوابير المغاربة أمام القنصليات في مدريد وبرشلونة ومورسيا، تحمل ملفاتٍ بلاستيكية وأحلاماً ثقيلة بالانتظار، مترقبةً تسويةً قانونية أعلنتها الحكومة الإسبانية. لكن خلف هذا المشهد الإنساني الذي يختزل توق ملايين المغاربة إلى الاستقرار، تنكشف حقيقة أكثر قسوة: هؤلاء لا يطاردون فقط “الحلم الأوروبي”، بل يفرّون أيضاً من إخفاقات بنيوية داخل بلدهم، حيث عجز نظام المخزن عن توفير شروط العيش الكريم التي تدفع المواطنين إلى البقاء بدل الرحيل.
فمشهد الطوابير أمام القنصليات المغربية في إسبانيا ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل مرآة اجتماعية لواقع الهشاشة والبطالة وانسداد الأفق داخل المغرب. آلاف الشباب الذين ينتظرون أوراق الإقامة والعمل في الضفة الشمالية للمتوسط هم أنفسهم أبناء مناطق مهمشة ومدنٍ بلا فرص، لم يجدوا في اقتصاد بلدهم سوى العمل غير المهيكل أو الهجرة كخيار وحيد للصعود الاجتماعي. وهكذا تتحول التسوية الإسبانية إلى ما يشبه استفتاءً غير معلن على فشل النموذج التنموي الذي يروّج له المخزن.
المفارقة أن الرباط، التي تسارع إلى تعبئة قنصلياتها وتوسيع خدماتها لتسهيل الوثائق، تبدو أكثر حماساً لتنظيم هجرة مواطنيها من حماسها لإصلاح الشروط التي تدفعهم إلى المغادرة. فالدولة التي تعجز عن خلق فرص شغل كافية داخل حدودها، تجد نفسها شريكاً عملياً في إدماج مواطنيها داخل اقتصاد أوروبي يحتاج اليد العاملة الرخيصة. وفي هذا التناقض تتجلى وظيفة الهجرة في المعادلة المخزنية: صمام أمان اجتماعي يخفف الضغط الداخلي عبر تصدير البطالة والفقر إلى الخارج.
إن قصص القاصرين المغاربة غير المصحوبين بذويهم في إسبانيا، وأحلام العمال الزراعيين في مورسيا، وانتظار الشباب في مدريد، كلها تعيد طرح السؤال الجوهري: لماذا يختار مواطنو بلدٍ يُقدَّم كـ“نموذج استقرار” الهجرة غير النظامية ثم تسوية أوضاعهم في دولة أخرى؟ الجواب لا يكمن في جاذبية أوروبا فقط، بل في الفوارق الصارخة في الحقوق والفرص والخدمات بين الضفتين. فالمهاجر لا يطلب فقط راتباً أعلى، بل يطلب أيضاً قانوناً يحميه، وصحةً عمومية فعالة، وتعليماً ذا جودة، وإدارةً لا تُخضعه للزبونية والرشوة.
وتكشف الأرقام حجم المفارقة: المغاربة يشكلون أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، وأكثر الجنسيات حصولاً على جنسيتها، فيما لا يزال آلاف منهم بلا وضع قانوني. أي أن الاندماج في الخارج يسير بوتيرة أسرع من الإدماج داخل الوطن نفسه. وهذا الواقع لا يمكن عزله عن بنية اقتصادية مغربية تقوم على التفاوتات المجالية والقطاع غير المهيكل وضعف الحماية الاجتماعية، ما يدفع الفئات الهشة إلى البحث عن الاستقرار خارج الحدود.
إن احتفاء بعض الخطاب الرسمي بقدرة القنصليات على “مواكبة الجالية” يخفي الحقيقة الأعمق: الدولة التي تفتخر بخدمة مواطنيها في الخارج هي نفسها التي لم توفر لهم شروط الكرامة في الداخل. وهكذا تتحول الطوابير أمام القنصليات إلى مشهد رمزي مزدوج: من جهة أمل فردي في تسوية إدارية، ومن جهة أخرى إدانة جماعية لنموذج تنموي لم يمنح ملايين المغاربة ما يكفي من الأمان الاقتصادي والاجتماعي.
في النهاية، لا تعكس طوابير التسوية الإسبانية فقط حلم المغاربة بأوروبا، بل تكشف أيضاً أزمة الثقة في قدرة دولتهم على ضمان المستقبل. فحين يصبح الاستقرار مشروع هجرة، تتحول السيادة الاجتماعية إلى وهم، ويغدو الوطن محطة عبور لا وجهة حياة. هنا بالضبط، تنكشف حقيقة المخزن: نظام يحافظ على الاستقرار السياسي، لكنه يعجز عن إنتاج الاستقرار الإنساني الذي يدفع مواطنيه إلى البقاء بدل الرحيل.
