أعلن مجلس إدارة موانئ دبي العالمية تعيين عيسى كاظم رئيسًا لمجلس الإدارة، خلفًا لـسلطان أحمد بن سليم، في خطوة تعكس محاولة احتواء أزمة حادة ضربت سمعة المجموعة اللوجستية العملاقة، على خلفية تسريبات كشفت صلات بين الرئيس السابق والمموّل الأميركي المدان جيفري إبستين.
وجاء التغيير القيادي متزامنًا مع تعيين يوفراج نارايان رئيسًا تنفيذيًا، في سياق إعادة هيكلة الإدارة العليا للشركة، بعد تداعيات دولية سريعة شملت تعليق مؤسسات استثمارية كبرى ضخ تمويلات جديدة، من بينها صندوق التقاعد الحكومي في كيبيك والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي، وفق ما أوردته وكالة بلومبرغ.
وتعود جذور الأزمة إلى مراسلات إلكترونية أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية، أظهرت تبادل رسائل بين بن سليم وإبستين قبل سجن الأخير عام 2008 واستمرار التواصل بعد إدانته، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة العلاقات التي نسجها إبستين مع شخصيات نافذة عالميًا، رغم عدم توجيه اتهامات قانونية مباشرة للرئيس السابق للشركة.
ويُعد عيسى كاظم أحد أبرز وجوه المنظومة المالية في دبي؛ إذ يشغل منصب محافظ مركز دبي المالي العالمي ويرأس مجلس إدارة بورصة دبي، كما يتولى أدوارًا مؤثرة في لجان السياسات المالية والتشريعية بالإمارة. وقد راكم خبرة طويلة منذ عمله في مصرف الإمارات المركزي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل انتقاله إلى دائرة التنمية الاقتصادية ثم قيادته سوق دبي المالي لسنوات شهدت انفتاحًا واسعًا على رؤوس الأموال الدولية.
غير أن اسم كاظم برز كذلك في سياق الانفتاح الاقتصادي الإماراتي على الكيان الصهيوني عقب توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، حيث نظّم بصفته محافظًا لمركز دبي المالي العالمي فعالية في تل أبيب استهدفت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية الراغبة في التوسع نحو أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، في خطوة عُدّت جزءًا من استراتيجية جذب الاستثمارات عبر البوابة المالية والتنظيمية لدبي.
وفي المقابل، واجه مركز دبي المالي العالمي انتقادات في تقارير إعلامية دولية اتهمته بقصور في مواجهة أنشطة مالية مشبوهة، بينها عمليات غسل أموال عبر شركات واجهة، ما زاد من حساسية تعيين كاظم في هذا التوقيت.
وتفاقمت المخاوف في الأوساط الاقتصادية الإماراتية بعد إعلان وزارة العدل الأميركية نشر دفعة نهائية من ملايين الوثائق المرتبطة بإبستين، بموجب قانون أُقر في نوفمبر الماضي. وكشفت مراسلات ضمن تلك الوثائق عن دور مزعوم لإبستين في فتح قنوات تواصل غير معلنة بين الإمارات وإسرائيل قبل التطبيع الرسمي، بما في ذلك تنسيق لقاءات سرية جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك بسلطان بن سليم، وفق ما نشره موقع Drop Site News.
وتُظهر الرسائل المسرّبة عمق العلاقة الشخصية بين إبستين وبن سليم، إذ وصف الأخير في إحدى المراسلات بأنه “اليد اليمنى لمكتوم”، في إشارة إلى حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم. كما تضمنت الوثائق مقترحات لترتيب لقاءات مباشرة ومشاريع استثمارية محتملة في قطاع الخدمات اللوجستية الإسرائيلي خلال فترة لم تكن العلاقات الرسمية قائمة.
وتُقدَّر أصول موانئ دبي العالمية بنحو 100 مليار دولار، ما يمنحها نفوذًا مباشرًا في حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية. غير أن تداعيات التسريبات دفعت ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا، المعروف بـ“لا كايس”، إلى إعلان تعليق الصفقات المستقبلية مع الشركة مؤقتًا، مع مطالبات بتوضيح الوضع واتخاذ إجراءات حوكمة صارمة.
ويرى مراقبون أن تعيين عيسى كاظم يندرج ضمن مسعى لإعادة تموضع الشركة واستعادة ثقة الشركاء الدوليين، غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهونًا بقدرة الإدارة الجديدة على طيّ صفحة الشبهات المرتبطة بالقيادة السابقة، وإقناع الأسواق بأن مرحلة مختلفة من الشفافية والامتثال قد بدأت فعليًا.
