الأحد 01 مارس 2026

في رثاء إمام المقاومة… الإمام علي خامنئي … بقلم د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
في رثاء إمام المقاومة… الإمام علي خامنئي … بقلم د. هناء سعادة

في زمنٍ تساقطت فيه العواصم تحت ثقل الهيمنة، وتحولت فيه القضية الفلسطينية في خطاب كثيرين إلى بند مؤجّل أو ورقة مساومة، وقف الإمام علي خامنئي ثابتا كحد فاصل بين مشروعين: مشروع يرى في فلسطين عبئا سياسيا، وآخر يعتبرها معيار الشرف وميزان الانتماء. لم يكن الرجل مجرد قائد لدولة، بل كان عنوانا لنهج كامل، وصوتا لا يهادن في توصيف الاحتلال، ولا يلين في تثبيت خيار المقاومة.

منذ توليه موقع القيادة، لم يتعامل مع الكيان الصهيوني كأمر واقع، بل ككيان احتلالي طارئ على الجغرافيا والتاريخ. لم يساير موجات التطبيع، ولم يخفف نبرة خطابه تحت ضغط العقوبات أو التهديدات، بل كان يؤكد في كل مفصل إقليمي أن فلسطين ليست ملفا دبلوماسيا، بل قضية هوية، وأن القدس ليست رمزا تعبويا، بل بوصلة صراع تحدد موقع كل طرف في معادلة المنطقة.

في كل عدوان على غزة، كان صوته حاضرا، لا بلغة التعاطف العابر، بل بلغة الالتزام السياسي والاستراتيجي. دعم المقاومة الفلسطينية لم يكن عنده شعارا يرفع في الخطب، بل خيارا مؤسسا في سياسات الدولة، تجلّى في الإسناد السياسي والإعلامي، وفي تثبيت معادلة الردع التي أعادت رسم حدود الاشتباك مع الاحتلال. لقد آمن بأن المقاومة حق طبيعي لشعب تحت الاحتلال، وأن اختلال ميزان القوة لا يسقط مشروعية الكفاح، بل يضاعف ضرورته.

حين كانت بعض الأنظمة تبرر صمتها بما تسميه الواقعية السياسية، كان هو يعرف الواقعية تعريفا مختلفا: الواقعية هي أن تعرف عدوك، وأن تدرك أن التنازل المجاني لا يصنع سلاما، بل يؤسس لهزيمة ممتدة. لذلك لم يتعامل مع الصراع بوصفه جولة عسكرية، بل مسارا تاريخيا طويل النفس يحتاج إلى صبر استراتيجي، وتراكم قوة، وبناء وعي عابر للحدود.

لم يكن خطابه انفعاليا، بل كان محكوما برؤية متكاملة تعتبر أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإرادة، وأن دعم فلسطين ليس تفضلا من دولة على شعب، بل التزاما أخلاقيا وسياسيا تفرضه العدالة قبل الجغرافيا. ولذلك ربط دائما بين مقاومة الاحتلال ومقاومة الهيمنة، بين معركة غزة ومعركة الاستقلال الوطني في كل بلد يرفض الخضوع.

خصومه رأوا فيه مهندسا لمحور إقليمي يقلق حساباتهم، وأنصاره رأوا فيه حصنا يحول دون تصفية القضية الفلسطينية. وبين القراءتين، بقي ثابتا على تعريف واحد لنفسه: قائد يعتبر أن الكيان الصهيوني قائم على القوة ولا يفهم إلا منطق القوة، وأن أي حديث عن سلام يتجاوز حق الفلسطينيين في أرضهم هو سلام ناقص ومؤقت.

لم يتبدل موقفه مع تبدل الإدارات في واشنطن، ولم يغير نبرته مع تغير موازين القوى. ظل يؤكد أن فلسطين هي الامتحان الأخلاقي الأكبر للنظام الدولي، وأن ازدواجية المعايير في التعامل مع دم الفلسطينيين ستبقى وصمة في جبين الخطاب الغربي عن حقوق الإنسان. وفي كل مرة كان يُسأل عن مآلات الصراع، كان يجيب بثقة من يرى المعركة في سياقها التاريخي لا في نتائجها الآنية.

اليوم، في رحيله، لا تُرثى سيرة رجل فحسب، بل يُستعاد موقف ظل صلبا حين تهاوت المواقف. لقد جعل من دعم فلسطين جزءا من تعريف الدولة الإيرانية لدورها، ومن مقاومة الكيان الصهيوني ركيزة لا تقبل المساومة. آمن بأن الشهادة ليست نهاية الطريق بل ذروة الالتزام، وأن القادة يُقاسون بقدرتهم على الثبات حين تتكاثر الضغوط.

إن كان قد مضى، فإن النهج الذي رسّخه باقٍ في وجدان كل من يرى في القدس قضية لا تُقايض، وفي المقاومة خيارا لا يُعتذر عنه. سيُذكر اسمه كلما اشتعلت غزة، وكلما عادت القدس إلى الواجهة، وكلما وقف شعب أعزل في وجه آلة عسكرية مدججة. تلك هي مرثيته الأصدق: أن يقترن اسمه بفلسطين اقتران العقيدة بالموقف، وأن يبقى في ذاكرة الصراع شاهدا على زمن اختار فيه أن يكون في صفها دون تردد أو حياد.

خاب جميع المبطلين، وخسر جميع الساكتين، الصامتون، والحياديون. ولا ينالها إلا من كان مخلصا، مقبلا غير مدبر… كفيت ووفيت. كنت قائدا، ونِعم القائد في زماننا، ثابتاً في المواقف، شجاعاً في الشدائد، وحاضراً في كل ميادين العزّ. صائماً، خادماً لدينك وبلدك. هنيئاً لك الشهادة، فقد كنت أهلاً لها.

رابط دائم : https://dzair.cc/u2pl نسخ

اقرأ أيضًا