في مقال حديث نشرته الإنديبندينتي تحت عنوان “الصحراء الغربية: أكاذيب وخداع وتضليل”، يتعرّض المعلق لتاريخ الصحراء الغربية بجرأة، لكنه في الوقت نفسه يضع القراء أمام سؤال محوري: لماذا تستمر بعض الروايات الرسمية في تزييف الحقائق حول هذا النزاع العميق الجذور؟ التلاعب بالوقائع ليس مجرد خطأ صحافي، بل أداة سياسية تستخدمها أطراف لإضفاء شرعية مزيفة على احتلال غير قانوني.
أهم ما يؤكّده هذا التحليل هو أن خطاب “الاحتلال السلمي” و“الاندماج التدريجي” ليس سوى غطاء لسيطرة تزيد على نصف قرن. المقال يستحضر حقائق لا يمكن تجاهلها: أن اتفاقيات مدريد الثلاثية عام 1975 لم تكن تصفية قانونية لعملية استعمار، بل صفقة سرية تُخفي عدم احترام إرادة الشعب الصحراوي والشرعية الدولية؛ فقد غاب نصُّ الاستفتاء وحق تقرير المصير عن النصوص الموقعة، رغم أنها كانت جزءًا من التزامات سابقة أمام الأمم المتحدة.
والأهم من ذلك، أن تسويق الرواية القائلة بأن الأمم المتحدة أقرت سيادة المغرب على الصحراء الغربية هو في حد ذاته تبرير زائف لا يستند إلى نصوص صريحة. حتى قرارات الأمم المتحدة التي يشيد بها البعض لا تمنح السيادة، بل تشير فقط إلى ضرورة مواصلة التفاوض دون إلغاء الحق في تقرير المصير، وهو حق لا يزول بمجرد تفسيرات مريحة.
المقال يكشف كذلك جانبًا آخر من التضليل: الادعاء بأن المَشاريع الدبلوماسية والسياسية التي قام بها المغرب كانت تاريخًا قانونيًا، في حين أن الحقيقة تظهر اتفاقيات بلا تصديق برلماني أو نشر رسمي في الدولة الأم، ما يجعلها من الناحية القانونية ذات أساس هش، أو حتى مشكوك فيه.
هذا ليس مجرد نقاش أكاديمي عن الماضي؛ إنه مفتاح لفهم التباين الحاد بين الخطاب الرسمي المغربي والرؤية القانونية الدولية القائمة على قرارات الأمم المتحدة نفسها. ففي الوقت الذي تروج فيه الرباط لشرعية سيادتها المزعومة على الصحراء الغربية من خلال تحالفات سياسية وإعلامية، يظل الاستعمار الهيكلي وغياب الحقوق الأساسية للشعب الصحراوي واقعًا ثابتاً منذ 1975, مع استغلال موارد طبيعية واحتكار ثروات دون أي استفادة حقيقية للمجتمع المحلي.
ولننظر إلى بعد آخر: الحوار الدولي المحيط بالصحراء الغربية تعمّده بلدان ومؤسسات تُقدّم الرواية المغربية كأمر واقع. هذا ليس صدفة، بل انعكاس لضغوط جيوسياسية واقتصادية تمارسها قوى كبرى، تستفيد من المواقع الاستراتيجية والموارد الطبيعية وتغضّ الطرف عن مبادئ قانونية أساسية في القانون الدولي.
إن المقال — والمحاولات الأوسع لتبييض الرواية الرسمية — في جوهره محاولة لتغليف الاحتلال بغطاء قانوني مزيف، وتحوير التاريخ لصالح جهة واحدة. هذا العبث بالمصطلحات والوقائع لا يمس فقط ذاكرة شعب الصحراء الغربية، بل يضع مفهوم العدل الدولي في اختبار حقيقي: هل القانون الدولي أداة للحق أم مجرد وسيلة لتبرير أفعال القوى الأقوى؟
الحقيقة التي لا يمكن تزييفها هي أن التاريخ لا يُعاد كتابته عبر بيانات مقلوبة أو سرديات مُتحيّزة. تلك السرديات التي تُقدّم الاحتلال كشرعية وثورة تحرير زائفة، لن تضفي على واقع الصحراء الغربية صبغة قانونية ما لم تستند إلى إرادة شعبها وقرارات الأمم المتحدة الصريحة في الاعتراف بحق تقرير المصير.
وفي سياق هذه المعركة الفكرية والسياسية، يصبح أي تجاوز للحقيقة — أو تزييف لها — ليس خطأً بسيطًا في التأريخ، بل ادعاءً يمارس العنف على ذاكرة الشعوب وحقوقها. وهنا يكمن التحدي الأكبر: أن تُصان الحقيقة، وأن يُفهم القانون الدولي ليس كأداة ترف دبلوماسي، بل كضمانة للكرامة الحرة للشعوب المحتجزة تحت وطأة احتلال غير مشروع.
