في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتمايز المواقف وتنكشف الاصطفافات الحقيقية بعيدًا عن الشعارات. الجزائر، التي اختارت منذ استقلالها أن تجعل بوصلتها ثابتة نحو قضايا الأمة وأمنها الجماعي، تجد نفسها اليوم على الضفة الأخلاقية والسياسية ذاتها مع المملكة العربية السعودية، في وقت يصرّ فيه المخزن، مدفوعًا بأجندة إماراتية، على لعب أدوار تخريبية لا تخدم لا استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها.
الجزائر لم تغيّر موقفها، ولم تناور، ولم تساوم. وقوفها الدائم مع السعودية ليس وليد الظرف ولا تكتيكًا عابرًا، بل امتداد لرؤية تعتبر أن استقرار الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن العربي، وأن استهداف أي دولة مركزية في المنطقة هو استهداف للجميع. في المقابل، اختارت أبوظبي، ومعها المخزن، سياسة العبث بالتحالفات، وصناعة المحاور المشبوهة، والعمل في الظل لتقويض أي توازن لا يخدم طموحاتها الضيقة.
ما أدركته الجزائر منذ سنوات بخصوص خطورة الأدوار الإماراتية في المنطقة، بدأت السعودية نفسها تدركه اليوم بوضوح متزايد. هذا الإدراك لم يأت من فراغ، بل من تراكم وقائع تؤكد أن الإمارات لا تبحث عن شراكات متكافئة، بل عن نفوذ، حتى ولو كان ذلك على حساب استقرار الدول وسيادتها. الجزائر عبّرت عن هذا الموقف صراحة، ولم تُخفِ انزعاجها من تدخلات أبوظبي، وهو ما تجلّى في التوتر الذي عرفته العلاقات بين البلدين، وفي تصريحات واضحة وصريحة للرئيس عبد المجيد تبون، الذي لم يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها، ووضع حدّ للغموض الدبلوماسي حين يتعلق الأمر بأمن الجزائر ومحيطها.
اليوم، يبدو أن الرياض وصلت إلى قناعة مفادها أن الموقف الجزائري لم يكن متسرعًا ولا انفعاليًا، بل كان قراءة مبكرة لمآلات خطيرة. زيارة وزير الداخلية السعودي إلى الجزائر قبل يومين، واستقباله من طرف الرئيس تبون، لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل رسالة سياسية عميقة الدلالة: الجزائر شريك موثوق، ورؤيتها للأمن الإقليمي تستحق الإصغاء. هذه الزيارة أكدت أن هناك تقاربًا استراتيجيًا يتجاوز المجاملات، ويؤسس لتفاهمات مبنية على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
في الجهة المقابلة، تكشف تحركات الإمارات الأخيرة عن ارتباك واضح وردود فعل سلبية. زيارة محمد بن زايد إلى الهند، وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع حكومة ناريندرا مودي، لا يمكن فصلها عن التحولات الجارية في المنطقة. هذا التحرك يبدو كأنه رد فعل مباشر على الاتفاق المتنامي بين السعودية وباكستان، وهو اتفاق تسعى تركيا للانضمام إليه، بما يمثله ذلك من نواة لتحالف إقليمي متوازن يخدم استقرار العالم الإسلامي ويحدّ من الهيمنة الخارجية.
الفرق شاسع بين تحالف يقوم على دول محورية في العالم الإسلامي، مثل السعودية وباكستان وتركيا، وتحالف آخر يُنسج مع الهند، الحليف الاستراتيجي لإسرائيل والعدو التاريخي لباكستان. اختيار الإمارات لهذا المسار لا يعكس فقط سوء تقدير سياسي، بل يكشف أيضًا استعدادها للتموضع في معسكرات معادية لقضايا الأمة، طالما أن ذلك يضمن لها دورًا وظيفيًا لدى القوى المعادية للمنطقة.
الأخطر من ذلك أن المخزن، بدل أن ينأى بنفسه عن هذه المغامرات، اختار الاصطفاف الأعمى خلف الأجندة الإماراتية، حتى وإن كان الثمن هو معاداة الجزائر، وضرب أي إمكانية لبناء مغرب عربي متكامل، والتورط في تحالفات تتناقض مع المزاج الشعبي ومع أبسط ثوابت الأمة. هذا السلوك لا يمكن تبريره لا بالجغرافيا ولا بالتاريخ، بل يندرج في خانة الارتهان السياسي وفقدان القرار السيادي.
في المحصلة، تتضح الصورة أكثر من أي وقت مضى: الجزائر ثابتة على مواقفها، تقرأ التحولات بوعي استراتيجي، وتتحرك بمنطق الدولة لا بمنطق الصفقات. السعودية، من جهتها، بدأت تميّز بين الحليف الصادق والمغامر المتهور، وبين من يسعى إلى الاستقرار ومن يتغذى على الفوضى. أما الإمارات والمخزن، فاختارا طريقًا آخر، طريق التحالفات المشبوهة، والرهانات الخاسرة، التي لن تجلب للمنطقة سوى مزيد من التوتر، ولن تُسجَّل في التاريخ إلا كأدوار عابرة في لحظة انكشاف كبرى.
