الأحد 22 فيفري 2026

“قفة رمضان” في المغرب.. صدقة ملكية أم بروباغندا سنوية لتلميع وجه المخزن؟

نُشر في:
“قفة رمضان” في المغرب.. صدقة ملكية أم بروباغندا سنوية لتلميع وجه المخزن؟

في كل عام، ومع اقتراب شهر رمضان، يعاد المشهد ذاته في المغرب: عدسات التلفزيون الرسمي، زيارات ميدانية مُخرجة بعناية، وصور الملك وهو يشرف على توزيع “قفة” غذائية على الفقراء. غير أن ما تقدمه السلطة باعتباره عملاً تضامنياً واسعاً، يراه كثيرون مجرد بروباغندا موسمية يحرص القصر على تكرارها لتلميع صورته داخلياً وخارجياً، بينما يُكذّب الواقع الاجتماعي القاسي أي حديث عن إنجازات حقيقية في مكافحة الفقر.

العملية التي أشرف عليها محمد السادس هذه السنة بمدينة سلا، وتستهدف وفق الأرقام الرسمية أكثر من 4.3 ملايين شخص من الفئات الهشة، تُقدَّم كدليل على “الرعاية الملكية” للفقراء. لكن قراءة الأرقام نفسها تكشف مفارقة صارخة: بعد أكثر من ربع قرن على إطلاق المبادرة سنة 1998، تضاعف عدد الأسر المستفيدة عشرات المرات، من 34 ألفاً إلى نحو مليون أسرة، ما يعني أن الفقر في المغرب لم يتراجع بل اتسع، رغم عقود من الخطاب الرسمي حول التنمية والإصلاح.

تعتمد السلطة على مشاهد توزيع الدقيق والزيت والسكر لإنتاج سردية “الملك القريب من الشعب”، وهي صورة متجذرة في الثقافة السياسية للمخزن، حيث تُقدَّم المساعدات الاجتماعية كمنح شخصية من الحاكم لا كحقوق مواطنة مضمونة بسياسات عمومية عادلة. وهنا تتحول “قفة رمضان” من برنامج دعم اجتماعي إلى طقس سياسي سنوي يعيد إنتاج علاقة الرعية بالراعي، بدل بناء دولة رفاه قائمة على العدالة الاجتماعية.

الأرقام الرسمية نفسها تكشف عمق المأساة الاجتماعية التي تحاول الدعاية حجبها. فكون 74% من المستفيدين من العالم القروي يؤكد استمرار الفقر البنيوي في المناطق المهمشة، بعد عقود من الوعود بتنمية القرى وفك العزلة. كما أن وجود مئات آلاف المسنين والأرامل وذوي الإعاقة ضمن القوائم يعكس هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية، حيث تظل الفئات الأكثر ضعفاً معتمدة على إحسان موسمي بدل حقوق دائمة.

اللافت أن الكلفة الإجمالية للعملية لا تتجاوز 305 ملايين درهم، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بميزانيات مشاريع البذخ أو الامتيازات الريعية في اقتصاد المخزن. فمتوسط ما يصل إلى كل مستفيد لا يتعدى بضع عشرات من الدولارات سنوياً، أي ما يكفي بالكاد لأيام معدودة من الاستهلاك، لكنه كافٍ لإنتاج حملة إعلامية واسعة تُقدَّم فيها السلطة كفاعل إنساني منقذ للفقراء.

كما أن اعتماد السجل الاجتماعي الموحد يُسوَّق رسمياً كدليل على الشفافية، غير أن جوهر العملية لم يتغير: مساعدات موسمية ظرفية بدل سياسات هيكلية لمعالجة أسباب الفقر. فلو كانت التنمية فعلاً ناجحة، لما استمر اتساع قاعدة المحتاجين إلى “قفة رمضان” عاماً بعد عام.

يرى مراقبون أن المخزن يوظف هذه المبادرة لترسيخ شرعية رمزية تقوم على الإحسان الملكي، خصوصاً في سياق أزمات اجتماعية متفاقمة، من بطالة الشباب إلى ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية. فبدلاً من الاعتراف بفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يجري تقديم المساعدات الغذائية كإنجاز، في قلب معادلة دعائية تُحوّل الفقر نفسه إلى أداة لتلميع صورة السلطة.

وهكذا، تتحول “قفة رمضان” من فعل تضامني مفترض إلى مرآة تكشف التناقض الأكبر في المغرب المعاصر: نظام يفاخر بإطعام ملايين الفقراء كل عام، دون أن يسأل لماذا يظل هؤلاء الفقراء أنفسهم في الطابور ذاته منذ عقود. إنها صدقة تُوزَّع أمام الكاميرات، لكنها في العمق شهادة سنوية على فشل نموذج تنموي أنتج الهشاشة بدل أن يقضي عليها.

رابط دائم : https://dzair.cc/mfbi نسخ

اقرأ أيضًا