في لحظة إقليمية مشتعلة، وبعد الهجوم الأمريكي والصهيوني السافر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، العضو في الأمم المتحدة، وما تبعه من اغتيال للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وقادة الصف الأول، تدخل المنطقة طورًا جديدًا من الصراع المفتوح، عنوانه العريض ” كسر الإرادات لا مجرد تبادل الضربات” ، نحن أمام مشهد يتجاوز الرد التكتيكي إلى إعادة رسم موازين القوة في غرب آسيا، حيث لم تعد الحسابات تُقاس بردة فعل آنية، بل باستراتيجية النفس الطويل.
٠ حين يُستهدف رأس النظام هل بدأ زمن إسقاط قواعد الاشتباك..
القراءة السياسية الأولية تفيد بأن طهران تعتبر ما جرى إعلان حرب غير تقليدية يستهدف رأس النظام ومركز القرار، وبالتالي فإن الرد لا يمكن أن يكون تقليديًا أو محدود السقف.
بنك الأهداف الإيراني، وفق منطق الدولة التي ترى نفسها في “عنق زجاجة” تاريخي، يتوزع على ثلاثة مستويات أولًا، القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الإقليم، باعتبارها أدوات الضغط المباشر؛ ثانيًا، العمق الاستراتيجي الإسرائيلي وفي مقدمته تل أبيب الكبرى، بوصفها مركز الثقل الاقتصادي والسياسي؛ وثالثًا، خطوط الملاحة وممرات الطاقة التي تمثل شريان الاقتصاد العالمي “مضيق هرمز”.
• الردع على حافة الانهيار من يشعل الإقليم ومن يطفئه!؟
إيران، وهي الدولة ذات التاريخ الضارب في القدم، أقدم حضارة من الولايات المتحدة نفسها، تتحرك اليوم بعقلية من يعتبر أن المعركة فُرضت عليه فرضًا.
ومن هنا يظهر منطق “أنا الغريق فما خوفي من البلل”، أي أن الدولة التي استُهدف رأس هرمها لم يعد لديها ما تخسره على مستوى الهيبة، فتتحول من موقع الدفاع الاستراتيجي إلى الهجوم المركّب في الأدبيات العسكرية، هذا الانتقال يعني رفع كلفة المواجهة إلى الحد الذي يجعل الخصم يعيد حساباته، لا عبر خطاب إعلامي، بل عبر وقائع ميدانية.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بالرد الصاروخي أو استهداف القواعد. طهران تدرك أن المعركة طويلة، وأنها ليست مواجهة بين دولتين فحسب، بل صراع إرادات بين محورين. لذلك فإن بنك الأهداف لا يُقرأ فقط في الخرائط العسكرية، بل في معادلات الردع.
الرسالة الأساسية هي: إذا فُتح باب الفوضى، فلن يُغلق إلا بشروطنا وهنا يحضر المثل الشعبي “اللي يلعب بالنار يحرق صوابعه”، في إشارة إلى أن من يعتقد أن الضربة الخاطفة ستُنهي الخصم، قد يجد نفسه أمام حرب استنزاف مفتوحة.
في المقابل، تدرك واشنطن وتل أبيب أن إدخال المنطقة في دوامة تصعيد شامل قد يفضي إلى ما يشبه الانهيار المتدرج لقواعد الاشتباك التي استقرت منذ عقود فاستهداف تل أبيب الكبرى، بما تمثله من ثقل اقتصادي وديمغرافي، ليس مجرد رسالة عسكرية، بل هو كسر لهيبة الردع الإسرائيلي وهنا يبرز الشعار الذي تتبناه طهران ضمنيًا “لست مهزومًا ما دمت تقاوم”. فالمعركة، في هذا المنظور، ليست في عدد الضربات، بل في القدرة على الاستمرار وتحمل الكلفة.
• إيران بين منطق الغريق واستراتيجية النفس الطويل
نحن إذن أمام مرحلة مفصلية، قد تتحول فيها المنطقة إلى ساحة إعادة توزيع نفوذ فإيران، إذا واصلت موجات الرد المدروسة، ستسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن استهداف رأس النظام يعني إشعال الإقليم بأسره عن طريق ادخال حزب الله اللبناني والحوثيين ومختلف الفصائل في العراق في خط المواجهة أما إذا انزلقت الأمور إلى مواجهة شاملة، فإن الجميع سيكون داخل عنق زجاجة بما فيهم دول الخليج ولا مخرج من الأزمة إلا بتسوية كبرى تعيد رسم قواعد اللعبة.
في السياسة كما في الأمثال الشعبية، “الضربة التي لا تقتلك تقويك”، لكن بشرط أن تُحسن إدارة الألم وتحويله إلى رصيد قوة والسؤال الذي سيحكم الأسابيع القادمة ليس من أطلق الصاروخ الأول، بل من يستطيع الصمود أطول، ومن يملك القدرة على تحويل النار إلى ورقة تفاوض فالشرق الأوسط لا يرحم الضعفاء، والتاريخ يكتب فصوله عادة بمداد القوة، لا بالحبر الدبلوماسي وحده .
