بينما يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويق صورة “النصر السريع” وتتحدث تل أبيب عن “تصفية التهديدات”، تكشف القراءة العميقة للميدان والسياسة عن وقوع الثنائي في فخ استراتيجي معقد. فالتصريحات المتناقضة والعمليات العسكرية المستمرة تظهر أن “اليوم التالي” في إيران بات يشكل عبئاً ثقيلاً يهدد بحرق أوراق واشنطن وتل أبيب معاً.
تورط ترامب.. الفخ بين “الصفقة” و”الاستنزاف”
يرى مراقبون أن ترامب، الذي بنى شعبيته على إنهاء “الحروب الأبدية”، يجد نفسه اليوم متورطاً في “رقصة الديك المذبوح”. فتصريحاته حول قرب نهاية الحرب تتصادم مع واقع ميداني يفرض استنزافاً طويلاً.
التناقض القاتل: ادعاء ترامب بأن إيران باتت بلا “أنياب” عسكرية قابله رد ميداني عنيف عبر عملية “الوعد الصادق 4″، مما يحرج الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام الداخلي الذي يخشى الانجرار إلى وحل بري.
عقدة نتنياهو: يظهر ترامب وكأنه يبحث عن مخرج لمأزق ورطه فيه نتنياهو، الذي يسعى لإطالة أمد الصراع لغايات سياسية شخصية، وهو ما قد يحول “الحسم السريع” الأمريكي إلى استنزاف إقليمي شامل.
مقامرة نتنياهو.. حافة الهاوية
نتنياهو، الذي يرى في هذه المواجهة فرصته التاريخية الأخيرة، يواجه معضلة “الأمن المفقود”. فرغم الضربات الجوية، لم تنجح إسرائيل في تأمين عمقها، حيث طالت الصواريخ الإيرانية قواعد “رمات ديفيد” ومطار حيفا ومواقع في قلب تل أبيب. هذا الفشل في الحسم يضع الحكومة الإسرائيلية أمام تساؤل مرير: ماذا بعد القصف إذا لم يسقط النظام ولم يتوقف التهديد؟
المخرج الإيراني.. معادلة “الأمن للجميع”
رغم ضراوة الهجوم، تملك طهران مخرجاً استراتيجياً يعتمد على نقاط قوة لا تزال فاعلة، وهو ما لخصه بيان الحرس الثوري بشعار: “الأمن والاستقرار إما للجميع أو لا أحد”:
المخرج الدبلوماسي (الوساطة الروسية): يبرز التحرك الروسي الأخير كطوق نجاة؛ حيث طرح بوتين مقترحات لإنهاء الحرب “بسرعة”. هذا المسار يسمح لإيران بتقديم تنازلات “تقنية” بضمانات دولية، مقابل وقف الهجمات واعتراف ضمني بشرعية القيادة الجديدة برئاسة مجتبى خامنئي.
سلاح “الاقتصاد العالمي”: تدرك إيران أن ترامب لن يحتمل طويلاً تعطل الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود. هذا الضغط الاقتصادي يمثل مخرجاً سياسياً يجبر واشنطن على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لتجنب انهيار الأسواق العالمية.
التماسك المؤسساتي: أثبت انتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي، وإشرافه المباشر على العمليات الصاروخية، أن بنية الدولة لم تنهر رغم خسارة رأس الهرم. هذا التماسك يمنح طهران القدرة على التفاوض من موقع الصامد لا المنهار، وهو ما قد يفضي إلى صفقة لا غالب ولا مغلوب تحفظ للنظام بقاءه مقابل تجميد برامجه الحساسة.
ختاما، يبدو أن ترامب ونتنياهو، في حماسهما لكسر إيران، قد غفلوا عن أن الجريح لا يزال يملك مفاتيح استقرار المنطقة. المخرج المتاح حالياً هو صفقة كبرى تنهي الحرب النفسية والميدانية، وتسمح لترامب بالادعاء بأنه “صانع سلام” ولإيران بأنها حمت سيادتها، وهو المسار الذي يبدو أن الدبلوماسية الدولية بدأت في حياكته خلف الكواليس.
