لم تكن خسارة المنتخب المغربي لنهائي كأس أمم إفريقيا الحدث الأبرز في ليلة مشحونة بالجدل والتحكيم والفوضى، بل كان الغياب الصارخ لصاحب الأرض والقرار: محمد السادس. نهائي قاري تستضيفه المملكة، مناسبة رياضية وسياسية من العيار الثقيل، ومع ذلك ظل العرش شاغرًا في المدرجات، كما هو شاغر في الحياة العامة منذ شهور.
في لحظة كان يفترض أن يحضر فيها الملك باعتباره رأس الدولة ورمزها، اكتفى المغاربة بصورة مكرّرة: شقيقه الأمير مولاي رشيد يسلم الكأس، ومسؤولون دوليون يملأون الفراغ البروتوكولي، بينما «أمير المؤمنين» خارج البلاد، بعيدًا عن الرباط، وبعيدًا عن أي مساءلة.
غياب يتحول إلى قاعدة
منذ مطلع نوفمبر، لم يظهر محمد السادس في أي نشاط عمومي ذي دلالة داخل المغرب. أكثر من شهرين من الغياب المتواصل، دون خطاب، دون لقاءات، دون شرح سياسي صريح. آخر ظهور رسمي كان بروتوكوليًا باهتًا، ثم اختفى الملك، ليبدأ تداول الأسئلة في الشارع، وتُفرض حالة صمت شبه كامل في الإعلام الرسمي.
في المقابل، جرى الدفع بولي العهد الشاب مولاي الحسن إلى الواجهة، يحضر مباراة الافتتاح، ويتنقل في مناسبات رسمية، في مشهد يعكس ارتباكًا مؤسساتيًا واضحًا: دولة تُدار بالنيابة، وملكية تُدار بالحلول المؤقتة.
إعلام صامت وبلاغات هزيلة
حين طال الغياب واشتد الجدل، لم تجد المؤسسة الملكية سوى بلاغ طبي مقتضب، يتحدث عن «آلام في أسفل الظهر» تتطلب الراحة. بلاغ لا يشرح طول الغياب، ولا يبرر تزامنه مع استحقاقات داخلية وخارجية حساسة، ولا يبدد الشكوك حول طريقة تدبير الحكم في غياب صاحبه.
الأخطر من البلاغ هو ما رافقه: إعلام مُكمّم، ممنوع عليه السؤال أو الاستقصاء، ومجبر على إعادة نشر نفس السطور بلا أي نقاش. هكذا تتحول صحة الملك إلى موضوع محظور، وتتحول الدولة إلى رهينة الصمت.
ملك يسافر ودولة تتعطل
بين الإمارات ومصر وباريس وزنجبار، يقضي محمد السادس أسابيعه خارج البلاد، في قصور فخمة وعلاقات خاصة، بينما يُترك الداخل المغربي لمراكمة الأزمات: اجتماعية، تعليمية، صحية، واحتجاجات طلابية وحقوقية لا تجد من يصغي.
أن يكون الملك في عطلة طويلة ليس المشكلة، المشكلة أن يتحول الغياب إلى أسلوب حكم، وأن تُدار البلاد من الخارج، دون شفافية، ودون تفويض دستوري واضح، ودون حد أدنى من الاحترام لحق المواطنين في المعرفة.
كرة القدم تفضح السياسة
نهائي كأس إفريقيا كان مناسبة مثالية لتلميع صورة النظام، لكنه انقلب إلى مرآة فاضحة. فوضى تنظيمية، احتجاجات سنغالية، نهاية مرتبكة، وملك غائب. حتى اللحظة التي كان يُفترض أن تُستثمر رمزيًا، انتهت بتكريس صورة بلد بلا رأس حاضر.
وحين تخسر الدولة رياضيًا، يمكن تدارك الأمر. لكن حين تخسر سياسيًا ورمزيًا، فذلك أخطر بكثير.
الغياب أزمة حكم
محمد السادس ليس مجرد شخص مريض يحتاج للراحة، بل هو رأس نظام يترك فراغًا خطيرًا كلما غاب. استمرار هذا الوضع دون توضيح، ودون ترتيب مؤسساتي شفاف، ودون مساءلة سياسية، يعني شيئًا واحدًا: أزمة حكم مكتملة الأركان.
الدولة لا تُدار بالبلاغات الطبية، ولا تُختصر في سفرات خاصة، ولا يمكن أن تبقى رهينة ملك غائب وإعلام صامت. فحين يغيب الملك، وتُمنع الأسئلة، وتُكمم الحقيقة، يصبح الغياب ذاته سياسة.. وتصبح الخسارة نهائية.
