الخميس 22 جانفي 2026

مديونية بلا أفق: كيف يرهن المخزن حاضر المغاربة ويورّث الأجيال القادمة فواتير الديون الخارجية؟

نُشر في:
مديونية بلا أفق: كيف يرهن المخزن حاضر المغاربة ويورّث الأجيال القادمة فواتير الديون الخارجية؟

لم تعد المديونية الخارجية للمغرب مجرد رقم يُزيَّن به خطاب المخزن حول الاستقرار المالي، ولا مؤشراً تُطمئن به الحكومة شركاءها الدوليين، بل تحولت إلى قيد ثقيل يُكبِّل الحاضر ويرهن المستقبل. فمع نهاية 2025، اتضح أن القروض التي راكمها المغرب ليست حلولاً ظرفية لأزمات عابرة، بل رهانات طويلة الأمد تُؤجَّل كلفتها عمداً إلى أجيال لم تُستشَر، ولن تجني ثمارها.

اللافت في موجة الاقتراض الأخيرة ليس فقط حجمها، بل طبيعتها الزمنية: ديون تمتد آجال سدادها إلى ما بين 2040 و2050، أي أن أطفال اليوم وشباب الغد سيُطلب منهم، بعد عقود، تسديد فواتير سياسات لم تُحسّن شروط عيشهم، ولم تُحدث تحولاً بنيوياً في الاقتصاد. هنا بالضبط يبرز السؤال السياسي والأخلاقي: من استفاد من هذه القروض؟ ولصالح من يُدار هذا الدين؟

الأرقام الرسمية نفسها تكشف المسار التصاعدي المقلق. دين خارجي عمومي تجاوز 50 مليار دولار منتصف 2025، ومع احتساب ديون المؤسسات العمومية والالتزامات شبه السيادية يقترب الرقم من 60 مليار دولار، أي ما يقارب نصف الناتج الداخلي الخام. هذا ليس تفصيلاً محاسبياً، بل مؤشر على اقتصاد يعيش على التنفس الاصطناعي الخارجي، في لحظة دولية ترتفع فيها أسعار الفائدة وتشتد فيها شروط الاقتراض.

تُقدَّم القروض القادمة من البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الإفريقي للتنمية، بوصفها دعماً للإصلاحات الاجتماعية والاستدامة المالية. غير أن الواقع يكشف مفارقة صارخة: كلما ارتفعت المديونية، تراجعت القدرة الشرائية، واتسعت الفوارق الاجتماعية، وتقلص الاستثمار العمومي في القطاعات الحيوية. فأي إصلاح هذا الذي يُموَّل بالديون، وتُسدَّد كلفته من جيوب الفئات الهشة؟

الأخطر من حجم الدين هو كلفة خدمته. أكثر من 70 مليار درهم سنوياً تُستنزف في تسديد الفوائد والأقساط، أي ما يعادل ميزانيات قطاعات اجتماعية بأكملها. هذا يعني ببساطة أن جزءاً معتبراً من ثروة البلاد يُحوَّل سنوياً إلى الدائنين، بدل أن يُستثمر في التعليم والصحة والتشغيل. إنها آلية نقل صامت للموارد من المجتمع إلى المؤسسات المالية الدولية.

ثم يأتي الثمن السياسي: القروض ليست أموالاً بلا مقابل. فهي مشروطة بإصلاحات هيكلية تمس الدعم، والتقاعد، وكتلة الأجور، والخدمات العمومية. وباسم “الاستدامة”، يُطلب من المواطن شدّ الحزام، بينما تُحصَّن الامتيازات الكبرى، ويظل النظام الجبائي عاجزاً عن فرض عدالة ضريبية حقيقية. هكذا يُفرَّغ القرار السيادي من محتواه، وتُصاغ السياسات العمومية وفق منطق الدائن لا حاجات المجتمع.

ما يجري اليوم ليس إدارة ذكية للدين، بل إعادة تدوير له. جزء كبير من القروض الجديدة لا يخلق ثروة، بل يُستخدم لسداد ديون قديمة، في حلقة مفرغة من الاقتراض لخدمة الاقتراض. وهنا يتحول الدين من أداة تمويل إلى نمط حكم اقتصادي، يقوم على تأجيل الأزمات بدل حلها، وترحيل الكلفة بدل تحملها سياسياً.

في النهاية، المديونية الخارجية للمغرب لم تعد مسألة تقنية تُناقَش في تقارير وزارة المالية، بل خياراً سياسياً يعكس نموذجاً اقتصادياً مأزوماً. نموذج يُفضّل الاستدانة على الإصلاح الجبائي الحقيقي، ويُراكم الديون بدل بناء اقتصاد إنتاجي مستقل، ويترك للأجيال القادمة إرثاً ثقيلاً من الالتزامات والفوائد.

إنها ديون اليوم، لكن ثمنها ليس اليوم. الثمن سيُدفع غداً، من فرص الشباب، ومن جودة المدرسة والمستشفى، ومن سيادة القرار الاقتصادي. وهذا، في حد ذاته، أخطر أشكال العجز.

رابط دائم : https://dzair.cc/6u02 نسخ

اقرأ أيضًا