الجمعة 13 مارس 2026

مصادقة البرلمان على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي: الجزائر لا تعتذر عن ذاكرتها وفرنسا مدعوة لمواجهة تاريخها الدموي.. بقلم: معمر قاني

نُشر في:
مصادقة البرلمان على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي: الجزائر لا تعتذر عن ذاكرتها وفرنسا مدعوة لمواجهة تاريخها الدموي.. بقلم: معمر قاني

في خطوة تاريخية استحضرت الذاكرة وأشعلت مواقف رسمية وشعبية في الخارج، صوّت المجلس الشعبي الوطني بالأمس على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، في لحظة رمزية تعكس عُمق الجرح التاريخي، وعمق التمسك بالكرامة الوطنية وسيادة القرار السيادي، القانون لم يكن مجرد نص برلماني تقليدي، بل بيان تصالح مع الذات الوطنية، ورفض لأي تبخيس لمعاناة شعب ظلّ عقودًا تحت نير الاستعمار.

ليس مطلوبًا من الجزائر أن تطلب الإذن كي تقول حقيقتها، ولا أن تُخفّف لهجتها كي تُرضي وريثًا سياسيًا لاستعمار لم ينتهِ أثره بعد، حين يصوّت البرلمان الجزائري على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، فهو لا يفتح معركة مع دولة، بل يُغلق صفحة طويلة من الصمت القسري، ويُعلن أن الذاكرة الوطنية ليست مادة للتفاوض ولا ورقة للابتزاز الدبلوماسي.

فرنسا، التي سارعت إلى وصف الخطوة بـ“المبادرة العدائية”، تُصرّ مرة أخرى على قلب المعادلة: تجعل من إدانة الجريمة جريمة، ومن مساءلة التاريخ تهديدًا للعلاقات، هذا المنطق ليس جديدًا؛ إنه الامتداد الطبيعي لسياسة إنكار قديمة، حاولت لعقود أن تُجمّل الاستعمار بخطاب “الرسالة الحضارية”، وأن تختزل الجرائم في “أخطاء سياقية”، وكأن ملايين الضحايا مجرّد هوامش في كتاب القوة.

الجزائر، في المقابل، لم تفعل أكثر من ممارسة حقها السيادي. الذاكرة هنا ليست شعارًا عاطفيًا، بل أساس دولة تشكّلت من رحم المقاومة، ومن تضحيات لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بما خلّفته من جراح نفسية واجتماعية وثقافية ما تزال آثارها قائمة. تجريم الاستعمار ليس انتقامًا، بل تصحيح لمسار تاريخي حاولت فرنسا طمسه بالقانون تارة وبالدبلوماسية تارة أخرى.

ردّ الفعل الفرنسي، بحدّته واستعلائه، يكشف مأزقًا أعمق: فرنسا الرسمية لا تريد اعترافًا كاملًا، لأنها تعرف أن الاعتراف يجرّ المساءلة، وأن المساءلة تهزّ سردية الدولة عن ذاتها. لذلك تُفضّل باريس إدارة الذاكرة بدل مواجهتها، وتدعو إلى “المصالحة” دون عدالة، و”طي الصفحة” دون قراءة ما كُتب فيها بدم الجزائريين.

لكن الجزائر اليوم ليست جزائر الأمس. قرارها في الذاكرة قرار سيادي صادر عن سلطاتها العليا، ويعكس إجماعًا وطنيًا على أن العلاقات الدولية لا تُبنى على النسيان القسري ولا على الندية المختلّة. الندية الحقيقية تعني الاعتراف المتبادل، لا إملاء الشروط من موقع الوارث الاستعماري. وتعني احترام خيارات الشعوب، لا تهديدها كلما رفعت صوتها بالحقيقة.

فرنسا التي تتحدث عن القيم وحقوق الإنسان، مدعوة أولًا إلى تطبيق هذه القيم على تاريخها الاستعماري. لا يمكن لمن يُدين جرائم الأمس في أماكن أخرى أن يطلب الحصانة لذاكرته الخاصة. ولا يمكن لعلاقات “استراتيجية” أن تستقيم فوق ذاكرة مُهانة وشعب طُلب منه طويلًا أن ينسى كي تستمر الشراكة.

الجزائر، وهي تناهض فرنسا في هذا الملف، لا تفعل ذلك بدافع القطيعة، بل بدافع الوضوح. الوضوح الذي يُنهي ازدواجية الخطاب، ويضع العلاقة على أساس سليم: اعتراف، مسؤولية، واحترام متبادل. أما التهديد والضغط واللغة العدائية، فلن تغيّر حقيقة واحدة: أن الاستعمار جريمة، وأن تجريمه حق، وأن الذاكرة الجزائرية خط أحمر.

في هذا المنعطف، تقف الجزائر في الموقع الصحيح من التاريخ. لا تُساوم على ذاكرتها، ولا تُخفّف لهجتها لإرضاء من لم يعتذر بعد. ومن أراد شراكة حقيقية معها، فليبدأ من هنا: من الاعتراف بالجرح، لا من إنكاره.

رابط دائم : https://dzair.cc/hicj نسخ

اقرأ أيضًا