انتهت الجولة الثالثة من المفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو في واشنطن دون تحقيق أي تقدم يُذكر، رغم الرعاية المشتركة من الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب والأمم المتحدة. وبين لغة التفاؤل الحذر التي تلوّح بها التصريحات الرسمية، والواقع السياسي الصلب على الأرض، يبدو أن المأزق لا يزال في مكانه.
جوهر الخلاف: الحكم الذاتي أم تقرير المصير؟
المعضلة الأساسية لم تتغير منذ عقود: الرباط تتمسك بمقترح الحكم الذاتي المزعوم باعتباره “الحل الواقعي الوحيد”، في حين تصرّ البوليساريو على أن أي تسوية لا تتضمن استفتاءً يتيح خيار الاستقلال تظلّ ناقصة وغير شرعية.
القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن، والذي دفع به الجانب الأميركي، حاول الجمع بين الإشادة بمقترح الحكم الذاتي المغربي وذكر مبدأ تقرير المصير، لكنه ترك الباب مفتوحًا لتأويلات متناقضة. فكيف يمكن اعتبار الحكم الذاتي أساس الحل، مع الإقرار في الوقت نفسه بحق شعبٍ مُصنَّف أمميًا كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي في اختيار مستقبله بحرية؟
هذا التناقض القانوني هو ما جعل الجولة الأخيرة تنتهي كما بدأت: دون أرضية مشتركة صلبة.
حضور دولي.. وغياب اختراق
المفاوضات قادها المبعوث الأميركي لإفريقيا، بدعم من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، وبمشاركة المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا، الذي أعاد التأكيد على أن مسألة تقرير المصير لا تزال “محورية”. كما شارك وزراء خارجية كل من الجزائر وموريتانيا، ما يعكس الطابع الإقليمي للنزاع.
لكن خلف الصورة الدبلوماسية، يبرز سؤال جوهري: هل هناك إرادة سياسية حقيقية لتقديم تنازلات مؤلمة من الطرفين؟ أم أن المفاوضات مجرد إدارة للأزمة لا أكثر؟
معادلة صعبة للطرفين
الوضع ليس مريحًا لأي من الجانبين. البوليساريو تواجه بيئة دولية أقل تعاطفًا، مع ضغوط تتعلق بالمساعدات الإنسانية ومخاطر تصنيفها سياسيًا. ومع ذلك، فإنها ترى أن أي تنازل عن خيار الاستقلال يعني نسف جوهر القضية.
أما الرباط، فرغم سيطرتها على معظم الإقليم واستثماراتها المكثفة هناك، تجد نفسها مطالبة من واشنطن بتقديم صيغة “حكم ذاتي حقيقي وجوهري” قابل للمقارنة بالنماذج الغربية. وهذا مطلب معقد في بنية سياسية مركزية، حيث قد يُفتح الباب أمام مطالب مماثلة في مناطق أخرى.
إرث لم يُحسم منذ 1975
منذ انسحاب إسبانيا من الإقليم سنة 1975، لم تُحسم القضية قانونيًا أو سياسيًا. تعاقبت المبادرات، من خطة التسوية الأممية إلى مقترح الحكم الذاتي، مرورًا بخطة بيكر الثانية عام 2003، التي قبلتها البوليساريو ورفضها المغرب آنذاك. واليوم، يعود السؤال ذاته: هل يُمكن الجمع بين مبدأ السيادة الإقليمية ومبدأ تقرير المصير دون آلية واضحة وملزمة؟
إلى أين؟
لا موعد محدد للجولة الرابعة. الأمم المتحدة تتحدث عن “حاجة إلى مزيد من العمل”، والولايات المتحدة تبدو راغبة في تسجيل اختراق دبلوماسي ضمن أجندة أوسع. لكن دون آلية تضمن بشكل صريح ممارسة الشعب الصحراوي لحقه في اختيار مستقبله، تبقى المفاوضات معرضة للتحول إلى حلقة إضافية في مسلسل التأجيل.
بعد نصف قرن من النزاع، يبدو أن الصحراء الغربية لا تزال أسيرة توازنات دولية وحسابات إقليمية، فيما يظل المبدأ القانوني — حق الشعوب في تقرير مصيرها — معلقًا بين النصوص والوقائع.
