الأربعاء 04 مارس 2026

ملاعب بمليارات و مدن تغرق في قطرات: الأمطار تفضح كذبة “الدولة الاجتماعية” في المغرب

نُشر في:
ملاعب بمليارات و مدن تغرق في قطرات: الأمطار تفضح كذبة “الدولة الاجتماعية” في المغرب

مرة أخرى، لا يحتاج المغاربة إلى تقارير دولية ولا إلى لجان خبراء كي يكتشفوا حقيقة أولويات دولتهم؛ يكفي أن تنزل الأمطار. عند أول اختبار طبيعي، تنكشف البنية التحتية الهشة، وتغرق الأحياء، وتُشلّ المدن، ويُترك المواطن المغربي وحيدًا في مواجهة الإهمال. وفي المقابل، تقف الملاعب الجديدة شامخة، تبتلع مياه الأمطار بكفاءة هندسية عالية، كأنها تنتمي إلى بلد آخر غير الذي تغرق شوارعه على بعد كيلومترات قليلة.

جمعية “أطاك المغرب” وضعت الإصبع على الجرح حين قالت بوضوح: الدولة قادرة تقنيًا وماليًا، لكنها تختار طبقيًا. فحيث توجد كاميرات العالم، تُفتح خزائن المال العام بلا تردد، وتُحترم دفاتر التحملات، وتُنجز الأشغال بأعلى المعايير. وحيث يعيش الفقراء والطبقات الشعبية، تُترك المدن لقوانين الارتجال، وتُسند المشاريع بأقل كلفة، وتُنسى الصيانة، ثم يُطلب من الناس الصبر والتعايش مع “الظروف الاستثنائية”.

ما وقع ويقع في طنجة، برشيد، آسفي، تطوان، ومحيط مراكش ليس حدثًا عرضيًا ولا نتيجة “تغيرات مناخية مفاجئة”، بل أعراض فشل بنيوي مزمن في التخطيط الحضري وشبكات التطهير السائل. مدن تغرق بكميات أمطار متوسطة، طرق تُغلق، أحياء تُعزل، أنشطة اقتصادية تتوقف، وكأن المخزن لم يتعلم شيئًا من الكوارث السابقة، أو لعله تعلم وقرر ألا يغيّر شيئًا.

الفضيحة ليست في المطر، بل في السياسة العمومية. فبينما تُرصد مليارات الدراهم لتأهيل وبناء الملاعب استعدادًا لكأس العالم 2030، تُترك شبكات الصرف الصحي في وضع لا يليق بكرامة المواطنين. أرقام الميزانية فاضحة:
– 1.1 مليار درهم في ميزانية 2026 لتطوير المنشآت الرياضية،
– 500 مليون درهم لملاعب القرب،
– ما يقارب 2 مليار درهم في 2024 للملاعب الكبرى،
– وأكثر من 20 مليار درهم إجمالًا لتجهيز الملاعب للبطولات الدولية.

في المقابل، لم تتجاوز المساعدات الرسمية لإعادة بناء منازل منكوبة بعد زلزال مدمر 4.6 مليار درهم. أي رسالة تُرسلها الدولة المخزنية لمواطنيها؟ أن صورة البلاد في الخارج أهم من سلامة الناس في الداخل؟ أن امتصاص مياه المطر في ملعب أكثر أولوية من حماية أحياء كاملة من الغرق؟

حتى حين تُرفع ميزانيات الصحة والتعليم، كما حدث في 2026، يأتي ذلك تحت ضغط اجتماعي، وتبقى النتائج محدودة بسبب سوء التوزيع وضعف النجاعة. مستشفيات بلا أطباء، مدارس بلا تجهيزات، ومدن بلا صرف صحي فعال، في بلد يُسوّق لنفسه كنموذج “تنموي” إقليمي.

ما يحدث ليس خللًا تقنيًا، بل اختيار سياسي واضح: استثمار في المشاريع الرمزية والاستعراضية، وإهمال ممنهج للبنيات الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطن. نموذج تنموي يقيس النجاح بعدد الملاعب والموانئ، لا بعدد الأحياء الآمنة ولا بقدرة المدن على الصمود أمام مطر موسمي.

المطر لا يكذب. وكل مرة تهطل فيها الأمطار، تسقط معها رواية الدولة عن العدالة المجالية و”الدولة الاجتماعية”. ما دام منطق “الواجهة أولًا” يحكم السياسات العمومية، ستظل الملاعب جافة… وستظل المدن تغرق.

رابط دائم : https://dzair.cc/mw1z نسخ

اقرأ أيضًا