قرار حكومة جنوب إفريقيا بإعلان «شخص غير مرغوب فيه» للمكلف بالأعمال الدبلوماسية التابع للنظام الإسرائيلي وإلزامه بمغادرة البلاد خلال 72 ساعة، يبدو للوهلة الأولى قائمًا على الانتهاكات المتكررة للقواعد والممارسات الدبلوماسية.
ومع ذلك، تُظهر مراجعة دقيقة لسلسلة السلوكيات والتطورات المتزامنة أن هذا الإجراء لا يمكن تفسيره ببساطة ضمن إطار خلاف دبلوماسي تقليدي أو رد رمزي، بل إنه يمثل إجراءً وقائيًا أمنيًا في مواجهة مشروع أوسع من النفوذ والتدخل السياسي.
وفقًا للبيان الرسمي لوزارة الخارجية الجنوب إفريقية، تشمل الانتهاكات المنسوبة للمكلف بالأعمال الدبلوماسية استخدام منصات رسمية للهجوم المهين على رئيس الدولة، وعدم الإبلاغ المتعمد عن السفر واللقاءات مع المسؤولين الإسرائيليين، فضلاً عن القيام بسلوكيات خارجة عن إطار اتفاقية فيينا.
هذا المستوى من النشاط العلني يشبه أكثر تصرف فاعل سياسي نشط داخل الدولة المضيفة، وليس سلوك دبلوماسي تقليدي، حيث يقوض أساس الحياد واحترام السيادة الوطنية.
في هذا السياق، يُعد إرسال المساعدات الإنسانية إلى المستشفيات الحكومية في مقاطعة كيب الشرقية دون تنسيق مع وزارة الخارجية والمسؤولين المحليين نقطة حاسمة في تحليل القضية. في الأدبيات الأمنية الدولية، تُعتبر المساعدات الإنسانية خارج الأطر الرسمية للدولة أحد الأساليب المعروفة لبناء شبكات نفوذ، واكتساب شرعية اجتماعية، وإقامة علاقات غير رسمية على المستويات المحلية؛ خصوصًا عند اقترانها بأنشطة سياسية وإعلامية ودبلوماسية رقمية.
في الوقت نفسه، يزيد التواصل المستهدف مع القادة التقليديين والفاعلين فوق الدولة، بما في ذلك زيارة أحد الملوك المحليين للأراضي المحتلة ودعمه العلني لمواقف إسرائيل بعد العودة، من حساسية القضية. العمل مع القادة التقليديين والهياكل الموازية للسلطة يُعد وسيلة معروفة لتجاوز الحكومة المركزية وخلق فجوات في النظام السياسي؛ وهي وسيلة استخدمت في العديد من سيناريوهات زعزعة الاستقرار الناعمة والضغط غير المباشر.
على صعيد أوسع من حدود جنوب إفريقيا، يمكن اعتبار هذه الحادثة مؤشراً على نمط متكرر للتدخل غير المباشر في أفريقيا؛ نمط يستخدم فيه التغطية الدبلوماسية، أو الإنسانية، أو الثقافية كأداة للنشاط الأمني والاستخباراتي. تشير التجارب السياسية في القارة إلى أن بعض البعثات الخارجية، عند تجاوز مهامها الدبلوماسية التقليدية، تقوم بتنظيم علاقات مستهدفة مع المعارضة، والنخب المحلية، والقادة التقليديين، وشبكات السلطة غير الرسمية؛ وهو ما أدى في بعض الحالات إلى زعزعة استقرار الحكومات المركزية، وتصعيد الانقسامات الداخلية، وتغيرات مفاجئة في توازن القوى السياسية. من هذا المنظور، يمكن اعتبار إجراء جنوب إفريقيا تحذيرًا وقائيًا للدول الأفريقية الأخرى بأن التهديد للسيادة الوطنية لا يبدأ بالضرورة عبر القوة العسكرية أو الانقلابات التقليدية، بل أحيانًا من خلال أنشطة دبلوماسية تبدو مشروعة وشبكات نفوذ خفية.
يجب تحليل هذه التطورات أيضًا في سياق أوسع يشمل دور جنوب إفريقيا الرائد في إحالة قضية جرائم الإبادة الجماعية إلى المحكمة الجنائية الدولية، والضغوط السياسية والاقتصادية المتصاعدة من الولايات المتحدة، وتزامن هذه الأحداث مع وصول السفير الأمريكي الجديد إلى بريتوريا، المعروف بمواقفه المتطرفة وتدخله في الشؤون الداخلية.
كل هذه العوامل ترسم صورة ضغط متعدد المستويات ومنسق على الحكومة الجنوب إفريقية، تتجاوز مجرد خلاف ثنائي.
في النهاية، لا يمكن اعتبار طرد المكلف بالأعمال الدبلوماسية الإسرائيلي مجرد «تأديب لدبلوماسي»؛ بل يمثل رسالة واضحة: جنوب إفريقيا لن تسمح، تحت غطاء الدبلوماسية أو المساعدات الإنسانية أو التبادل الثقافي، بتشكيل شبكات تهدد استقرار الدولة وسيادتها الوطنية، فضلاً عن تهديد استقرار الدول الأفريقية الأخرى.
هذا القرار يؤكد استقلالية صنع القرار في بريتوريا ويشكل تحذيرًا صارمًا لجميع الجهات الخارجية بأن أي تجاوز للدبلوماسية نحو النشاط الأمني أو التدخل في السياسات الداخلية سيواجه ردًا حازمًا
