الأربعاء 18 مارس 2026

نحو 60 معلماً ومتحفاً تحت القصف في إيران: العدوان الصهيوني ــ الأميركي يرتكب مجزرة ثقافية بحق ذاكرة الحضارة…  بقلم: د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
نحو 60 معلماً ومتحفاً تحت القصف في إيران: العدوان الصهيوني ــ الأميركي يرتكب مجزرة ثقافية بحق ذاكرة الحضارة…  بقلم: د. هناء سعادة

لا تقتصر الضربات في الحروب الهمجية على الجيوش والمنشآت العسكرية فحسب؛ فحين تُقصف المعالم التاريخية وتُستباح المدن العتيقة، يصبح الاستهداف موجهاً إلى الذاكرة الحضارية نفسها.

ما يجري اليوم في إيران يندرج في هذا السياق بوضوح قاسٍ: عدوان لم يكتفِ بإشعال الحرب على الأرض، بل امتد بطشه ليطال شواهد تاريخية تشكّل جزءاً من التراث الإنساني المشترك. فالمعالم التي صمدت قروناً طويلة أمام الغزوات والتحولات السياسية باتت فجأة في مرمى القصف، وكأن التاريخ ذاته أصبح هدفاً مشروعاً في هذه الحرب.
 
تشير المعطيات الصادرة عن وزارة التراث الثقافي الإيرانية إلى أن القصف الأميركي-الصهيوني ألحق أضراراً بما يقارب ستين متحفاً وموقعاً تاريخياً في أنحاء البلاد خلال أيام قليلة من اندلاع الحرب.

يكشف هذا الرقم وحده حجم الكارثة: نحن أمام ما يمكن وصفه بلا مبالغة بـ مجزرة ثقافية تطال تراثاً تراكم عبر آلاف السنين. فالمواقع المتضررة لا تمثل مجرد مبانٍ حجرية، بل طبقات من التاريخ الإنساني، من العصور الفارسية القديمة إلى الفترات الإسلامية اللاحقة، حيث تتجاور القصور والمساجد والأسواق والحدائق في لوحة حضارية فريدة.
 
ومن بين أبرز المعالم التي طالتها الأضرار في أصفهان، المدينة التي لطالما وُصفت في الوجدان الفارسي بأنها «أصفهان نصف العالم». فقد تعرّض قصر علي قابو، القصر الصفوي الشهير المطل على ساحة نقش جهان، لأضرار في زخارفه الجدارية وأجزائه الخشبية المنحوتة التي تعود إلى القرن السابع عشر. كما لحقت أضرار بحديقة تشهل ستون التاريخية، وهي من أشهر حدائق العصر الصفوي، حيث تضررت عناصر زخرفية من البلاط الملون والرسوم الجدارية التي تزيّن قاعاتها.
 
وفي محيط ساحة نقش جهان، إحدى أكبر الساحات التاريخية في العالم والمشيّدة عام 1598 في عهد الدولة الصفوية، تضررت مبانٍ تاريخية عدة نتيجة موجات الانفجار، فيما أصيب المسجد التاريخي الكبير في أصفهان – أحد أبرز المعالم المعمارية في العالم الإسلامي والذي يمتد تاريخ بنائه إلى أكثر من ألف عام – بأضرار تمثلت في سقوط أجزاء من البلاط الفيروزي الذي يميز قبابه ومآذنه.
 
وفي العاصمة طهران، تعرّض قصر جولستان التاريخي لأضرار بعد استهداف مبنى مجاور في قلب المدينة. يُعد هذا القصر، الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر قبل أن يصبح لاحقاً مقراً للحكم في عهد السلالة القاجارية، من أبرز المعالم المعمارية في إيران، ويشتهر بقاعة المرايا وزخارفه التي تمزج بين الفن الفارسي والتأثيرات الأوروبية. وقد أظهرت الصور تحطم أجزاء من الزجاج المزخرف وتضرر بعض العناصر الخشبية والزخرفية الدقيقة، إضافة إلى تناثر الحطام في حدائقه التاريخية.
 
أما في غرب البلاد، فقد طالت الأضرار قلعة فلك الأفلاك في مدينة خرم آباد بمحافظة لورستان. كانت هذه القلعة التاريخية التي تعود إلى العصر الساساني، بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين، تُستخدم حصناً عسكرياً ومركزاً إدارياً، وتضم اليوم متاحف محلية تعرض آثار المنطقة. وقد تعرضت القلعة ومتحفان قريبان منها لأضرار بعد ضربة جوية دمرت مبنى تابعاً لوزارة الثقافة في المنطقة.
 
ولم تقتصر الأضرار على هذه المواقع فحسب، إذ طالت أيضاً مناطق تراثية أخرى، من بينها أحياء تاريخية في مدينة سيراف الساحلية في محافظة بوشهر، حيث تضررت منازل تقليدية في الحي التاريخي للمدينة الذي يضم مباني تعود إلى قرون مضت وتشهد على تاريخ الملاحة والتجارة في الخليج. كما سُجّلت أضرار بدرجات متفاوتة في 19 موقعاً تاريخياً في محافظة طهران وحدها، وفق البيانات الرسمية.
 
تكمن خطورة هذه الاعتداءات في أنها تطال مواقع تاريخية نجت من عصور مضطربة وحروب كبرى، من الغزوات القديمة إلى الحرب العالمية الثانية والحرب الإيرانية-العراقية. ومع ذلك، تجد هذه المعالم نفسها اليوم تحت تهديد مباشر في زمن يفترض أن تحكمه مواثيق دولية تحمي التراث الثقافي للبشرية. فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات حماية الممتلكات الثقافية، وقرارات منظمة اليونسكو، كلها تنص بوضوح على ضرورة تحييد المواقع الأثرية عن النزاعات المسلحة.
 
وقد عبّرت منظمة اليونسكو بالفعل عن قلقها الشديد إزاء الأضرار التي لحقت بعدد من المواقع المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، محذرة من أن استمرار العمليات العسكرية يهدد عشرات المعالم الأخرى في المنطقة. فالخسارة هنا لا تقتصر على بلد بعينه؛ إذ إن تدمير موقع أثري يعني محو صفحة من التاريخ الإنساني المشترك.

كما أن تدمير التراث ليس خسارة مادية فحسب، بل اعتداء على ذاكرة الشعوب وهويتها. فالمعالم التاريخية تشكل جسراً حياً بين الماضي والحاضر، وتحفظ في حجارتها وساحاتها آثار حضارات تعاقبت على هذه الأرض عبر آلاف السنين. وعندما تُقصف هذه المواقع، فإن الضربة لا تصيب إيران وحدها، بل تطال إرثاً حضارياً يخص الإنسانية جمعاء.
 
ولهذا، يرى كثير من الباحثين أن ما يحدث يتجاوز حدود الحرب التقليدية ليكشف وجهاً بالغ القسوة من الهمجية المعاصرة؛ فاستهداف المواقع الثقافية ليس فعلاً عسكرياً عارضاً، بل سلوك يعكس عداءً عميقاً لفكرة الحضارة نفسها. فهذا العدوان، حين يطال المساجد التاريخية والقصور العتيقة والقلع التي شهدت تعاقب الحضارات، يضع نفسه في موقع الخصومة مع الإرث الإنساني بأسره، لأن تدمير الذاكرة الثقافية لا يمحو تاريخ أمة واحدة فحسب، بل يعتدي على جزء من ذاكرة البشرية المشتركة.
 
لهذا السبب تحديداً ما يحدث اليوم أقرب إلى حرب على الذاكرة منه إلى مجرد عملية عسكرية. فحين تتحول الساحات التاريخية والقصور العتيقة والقلع القديمة إلى ضحايا للقصف، يصبح السؤال أكبر من حدود الجغرافيا والسياسة: أي عالم هذا الذي يسمح بتدمير التاريخ، وأي “حضارة” يمكن أن تدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية فيما تمحي شواهد غيرها تحت أنقاض الحروب؟

رابط دائم : https://dzair.cc/gn32 نسخ

اقرأ أيضًا