بعد عام على تفكيك واحدة من أخطر شبكات تهريب الحشيش بين شمال المغرب وإسبانيا، لا يزال ملف “نفق سبتة” عالقاً عند حدوده الجنوبية: جدار الصمت المغربي. فبينما تمضي التحقيقات القضائية الإسبانية قدماً في تفكيك خيوط الشبكة، يصطدم مسار العدالة في شقه المتعلق بالمغرب بغياب التعاون الرسمي، ما يحوّل القضية من ملف جريمة منظمة إلى مرآة تعكس اختلالات أعمق في منظومة السلطة والرقابة داخل المخزن.
القضية التي كشفت عن نفق سري يمتد تحت السياج الفاصل بين منطقة تطوان ومدينة سبتة، لم تعد مجرد عملية تهريب مخدرات عابرة للحدود، بل أصبحت نموذجاً صارخاً لتداخل الجريمة المنظمة مع شبكات النفوذ، وللهشاشة البنيوية في مراقبة الحدود التي طالما قدمها النظام المغربي كدليل وهمي على “صرامته الأمنية” أمام أوروبا. فالنفق، بطوله الذي يقارب خمسين متراً وعمقه الذي يصل إلى اثني عشر متراً، لم يكن مشروعاً بدائياً لعصابة معزولة، بل بنية لوجستية معقدة يفترض أنها نشأت وتوسعت تحت أعين منظومة رقابية كثيفة في واحدة من أكثر المناطق عسكرة وحساسية في المغرب.
غير أن الأخطر ليس وجود النفق بحد ذاته، بل ما تلاه: صمت رسمي مطبق. فالقاضية الإسبانية المكلفة بالملف طلبت منذ أشهر إجراءات ميدانية لتحديد مخرج النفق داخل الأراضي المغربية، إضافة إلى معلومات حول المتورطين في جانبه المغربي، لكن الرباط لم تقدم أي معطيات ذات قيمة. هذا التعثر القضائي لا يفسَّر فقط بالبيروقراطية أو بطء الإجراءات، بل يثير شبهة أقسى: أن كشف الحقيقة قد يلامس دوائر نفوذ أو شبكات حماية لا يرغب المخزن في تعريتها.
التحقيقات الإسبانية كشفت بالفعل عن تواطؤ ضباط في الحرس المدني داخل سبتة، وعن شبكة متعددة المستويات تضم مسؤولين محليين ووسطاء لوجستيين. لكن الصورة تبقى منقوصة ما لم يُكشف الشق المغربي: من حفر النفق؟ من موّل؟ كيف مرّ كل هذا النشاط في منطقة خاضعة عملياً لرقابة أمنية وعسكرية كثيفة؟ ولماذا لم تُنقل أي معطيات رسمية إلى القضاء الإسباني رغم خطورة القضية وامتدادها العابر للحدود؟
هنا تتقاطع الجريمة مع السياسة. فالمخزن بنى طوال العقدين الماضيين سردية شراكة أمنية مع أوروبا تقوم على كونه “حارس الحدود الجنوبية” ودرعاً ضد الهجرة والمخدرات. غير أن نفق سبتة يهز هذه السردية من أساسها: إذ يكشف أن التهريب لم يمر عبر ثغرة عابرة، بل عبر بنية تحتية دائمة، وأن شبكات المخدرات لم تعمل في الهامش بل في قلب منطقة استراتيجية. لذلك يصبح الصمت مفهوماً سياسياً: فالتعاون الكامل قد يفضي إلى مساءلة داخلية أو إلى إضعاف صورة الضبط الأمني التي يسوّقها المغرب خارجياً.
كما أن المعطيات الإعلامية حول وجود مدخل النفق في عقار داخل منطقة مصنفة عسكرية، أو تورط شخصيات ذات سوابق في تهريب المخدرات، تضيف بعداً أكثر حساسية. فلو تأكدت هذه الفرضيات، فإن القضية لن تبقى مجرد تهريب، بل ستتحول إلى فضيحة بنيوية تمس منظومة الرقابة نفسها، وربما تفتح ملف تداخل شبكات المخدرات مع شبكات الحماية والنفوذ في شمال المغرب، حيث يشكل اقتصاد القنب منذ عقود أحد أبرز اقتصاديات الظل.
إن تعثر التحقيق الإسباني بسبب غياب المعطيات المغربية لا يضر فقط بمسار العدالة، بل يضعف أيضاً الثقة في التعاون الأمني بين ضفتي المتوسط. فالشراكات الأمنية لا تقوم على الخطاب السياسي، بل على تبادل المعلومات والشفافية القضائية. وعندما يغيب ذلك في قضية بهذا الحجم، فإن الرسالة الضمنية هي أن بعض الملفات تظل محاطة بهامش حماية سيادية، مهما بلغت خطورتها العابرة للحدود.
في المحصلة، يكشف نفق سبتة مفارقة عميقة: دولة تقدم نفسها شريكاً أساسياً في مكافحة المخدرات، لكنها تلوذ بالصمت حين يلامس التحقيق أراضيها؛ ومنظومة أمنية توصف بالصرامة، لكن تهريباً معقداً ينمو تحتها لأشهر؛ وتعاون قضائي يُحتفى به سياسياً، لكنه يتعثر عملياً عند أول اختبار حساس. هكذا يتحول النفق من ممر للحشيش إلى ممر نحو حقيقة أكثر إزعاجاً: أن الجريمة المنظمة في المنطقة ليست خارج النظام، بل تتقاطع معه عند نقاط ظل لا يراد كشفها.
