ألقى سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالجزائر محمد رضا بابائي خطاباً بمناسبة الذكرى الـ 46 لانتصار الثورة الاسلامية الإيرانية.
وجاء في خطاب السفير محمد رضا بابائي:
يُشرفني أن أكون مع الضيوف الاعزاء في الاحتفال بالذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، وأن أعبر عن خالص شكري وامتناني للجميع على تلبيتهم للدعوة.
كانت الثورة الإسلامية في إيران تجسيداً لإرادة أمة انتصرت في عام 1979، بالاعتماد على إيمانها وهويتها التاريخية ورغبتها في الاستقلال على ديكتاتورية تابعة ونظام يضع مصالح الأجانب على إرادة الشعب.
لم تكن هذه الثورة مجرد نقل للسلطة السياسية، بل كانت أيضا نقطة انطلاق لإرساء السيادة الوطنية والديمقراطية واستعادة كرامة واستقلال الشعب الإيراني. ومنذ البداية، رسمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسارها القائم على الاستقلال والحرية والعدالة ورفض الهيمنة، وهو طريق تم اتباعه بثبات واستمرارية رغم العديد من الضغوطات والتحديات.
على مدى العقود الخمسة الماضية، وبالرغم من التطورات والأوضاع الإقليمية والدولية المعقدة تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تحقيق إنجازات كبرى في مجالات متعددة وذلك من خلال الاعتماد على الله والاعتماد على القدرات الوطنية والتماسك الاجتماعي والموارد البشرية المبدعة والقادرة.
في مجال العلوم والتكنولوجيا، تحسن موقع إيران في إنتاج العلوم يوما بعد يوم، ومع تطور الشركات الناشئة، حققت تقدما مهما في التقنيات الجديدة ومجال الصحة.
حيث تعتبر إيران واحدة من الدول القادرة والرائدة في مجالات العلوم مثل تكنولوجيا النانو، والخلايا الجذعية، وعلاج السرطان، وعلوم الفضاء، بالإضافة إلى الاستغلال السلمي للطاقة النووية في مجال الاقتصاد والإنتاج، رغم فرض العقوبات القمعية والظروف الصعبة للاقتصاد العالمي، عرف نمو الإنتاج الصناعي تطوراً مطرداً، وزيادة كبيرة في الصادرات خارج المحروقات، وتعزيز الأسس الضريبية، أين برزت علامات التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونةً.
وفي نفس الوقت، كان العام الماضي عاماً مضطرباً بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ورغم الضغوطات القصوى ونهج الولايات المتحدة المتسلط، فضلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدخول في حوار حول برنامجها النووي السلمي ليس الا لإظهار حسن نيتها.
وبينما عُقدت خمس جولات من المحادثات وتم الاتفاق على عقد الجولة السادسة، شهدنا العدوان العسكري للنظام الصهيوني على إيران بمشاركة الولايات المتحدة، مما أدى إلى استشهاد عدد كبير من المواطنين والمسؤولين العسكريين وأساتذة الجامعات.
وفي مواجهة هذا العدوان السافر وغير المشروع، دافعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بكل اقتدار عن الشعب وأمن أراضيها وردت بكل قوة على المعتدين.
هذه المؤامرة العدوانية التي صُممت بهدف تدمير النظام أو الاستسلام، انتهت في النهاية بفشل العدو في تحقيق أهدافه الاستراتيجية ودعوته إلى وقف إطلاق النار اعتبارا للفشل الذريع للعدو في عدوانه العسكري وبروز وحدة الشعب وتماسكه في دعم النظام والبلاد، وكذلك فشل المنظمات الدولية في معاقبة المعتدين، اتخذوا مرة أخرى إجراءات ضد الشعب وهذه المرة قرروا الانتقام منه، فاستغلوا المطالب المشروعة للمتعاملين الاقتصاديين والتجار وأدخلوا عناصر إرهابية ومسلحة إلى وسط المظاهرات الاحتجاجية، وحولوها من سلمية إلى أعمال شغب وتخريب مسلح، حيث استشهد وأصيب خلال هذه الحوادث آلاف المواطنين وأفراد قوات حفظ الامن، كما أن العدد الكبير من الشهداء والإصابات في صفوف قوات الأمن في البلاد يظهر ضبط النفس لدى قوات حفظ الامن من جهة، ومستوى العنف الذي يمارسه الإرهابيون من جهة أخرى.
الأعمال الإرهابية الأخيرة التي شهدتها ايران، والتي رافقها دعم مباشر وعلني من الصهاينة والأمريكيين، انتهكت العديد من القوانين والمعاهدات الدولية، بما في ذلك الفقرة الأولى من إعلان الجزائر، أي عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية الإيرانية.
هذا العمل الإرهابي لأعداء إيران، والذي كان فعليا اليوم الثالث عشر من حرب الاثني عشر يوما، تم هزيمته مرة أخرى، لكن هذه الحرب ما تزال مستمرة في صيغ مختلفة النفسية والمعرفية والإعلامية، أظهرت الجمهورية الإسلامية الايرانية التزاماً كبيراً اتجاه مواطنيها في رعاية حقوقه الإنسانية وحقه في الاحتجاج والتجمع السلمي، مع اتخاذ جميع التدابير اللازمة لممارسة أقصى درجات ضبط النفس في مواجهة الاضطرابات والمظاهرات، مع الالتزام بواجبها المتأصل بحماية شعبها وضمان النظام العام والأمن القومي.
واعتبارا لجهود العدو للزج بمثيري الشغب والإرهابيين باسم الشعب الإيراني، هبّ الشعب الإيراني يوم 12 جانفي موحداًً صفوفه مرة أخرى وانفصل عن مثيري الشغب مؤكداً دعمه للنظام والثورة الإسلامية بوعي كبير و يقظة بمسيرات و تجمعات حضرها الملايين.
كما سعت الجمهورية الإسلامية الايرانية بجدية وحسم في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي، فهي ثابتة أيضا في استخدام الدبلوماسية لضمان مصالح الشعب الإيراني وحماية السلام والأمن الإقليمي، المبدأ الأساسي للدبلوماسية هو احترام السيادة الوطنية والمصالح المتبادلة.
لطالما رحبنا بالدبلوماسية واعتبرناها أفضل طريق ولم نسع أبداً إلى إثارة الحرب أو الصراع، لكننا سنقف بثبات في وجه المعتدين وسنوجه ردا قاسيا على أي تهديد بالاعتماد على سياسة خارجية متوازنة، ودبلوماسية ديناميكية، وتفاعل ذكي، اتبعت إيران طريق توسيع العلاقات مع جيرانها ودول أخرى مسلمة ومستقلة في العالم، وعضوية نشطة في منظمات إقليمية ودولية هامة.
تعتبر إيران نفسها فاعلة مسؤولة ومستقلة وذات تأثير في المنطقة والعالم، ودائما ما دعمت الحوار والتعددية والتعاون لضمان السلام والاستقرار والتنمية المستدامة، خاصة في المنطقة.
لطالما لعب توسيع العلاقات مع الدول الإسلامية والأفريقية دورا مهما في السياسة الخارجية الإيرانية، وفي هذا الصدد، تعد العلاقات مع الجزائر من أولوياتنا في شمال أفريقيا.
العلاقات بين الجمهورية الإسلامية الايرانية والجزائر ودية وعميقة الجذور وتاريخية مايزيد عن 60 عاما.
عرفت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، خاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والبرلمانية، حيث تبادل البلدان زيارات للوفود السياسية والبرلمانية والاقتصادية رفيعة المستوى خلال السنوات الثلاث الماضية، و خير مثال على ذلك زيارة رئيس الجمهورية الشهيد إبراهيم للجزائر سنة 2023 وزيارة وزير الخارجية سنة 2025.
تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية دعم فلسطين واجبا ومسؤولية تاريخية وأحد مبادئ سياستها الخارجية لدعم الأمم المضطهدة.
وفي هذا الصدد، ندعم مقاومة الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال ووقف الجرائم والإبادة الجماعية التي ارتكبها في حقه الصهاينة، وإذ نخلد ذكرى أكثر من 70,000 شهيد فلسطيني استشهدوا خلال العامين الماضيين، نثني على شجاعة ومثابرة الشعب الفلسطيني، خاصة سكان قطاع غزة، ضد النظام الإرهابي الصهيوني، ونؤكد أن القضية الفلسطينية لن تعرف الحل من خلال الحلول المفروضة، بل من خلال توفير أرضية مناسبة لممارسة حق تقرير المصير وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف.
وبناء عليه، طرحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مبادرة واقترحت خطة سياسية لحل القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال في الأمم المتحدة، أساسها إجراء استفتاء بين جميع السكان الرئيسيين في فلسطين، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهود، لممارسة حق تقرير مصيرهم وتحديد النظام السياسي الذي يرغب به غالبية سكان هذه الأرض.
هنا، من الضروري أن نشكر ونقدر المواقف المبدئية والثابتة للجزائر، وكذلك دعمها للقضية الفلسطينية في الأوساط الإقليمية والدولية، خاصة في مجلس الأمن الذي كان صوت فلسطين في الأمم المتحدة.
أيها الضيوف الأعزاء، في الختام، أود أن أشكركم مرة أخرى على حضوركم في هذا الحفل، وبما أن هذا العام هو نهاية مهامي بالجزائر كسفير فاغتنم فرصة الاحتفال معكم بهذا العيد وأودعكم جميعا.
أقدر وأشكر الحكومة والشعب الجزائري العزيز والمخلص على اللطف والمودة التي حظيت بها شخصياً وكل السفارة هنا بالجزائر، واستودعكم الله.
تحيا إيران، تحيا الجزائر، المجد والخلود لشهدائنا الابرار من إيران إلى الجزائر
