ليس من عادات الصحافة الفرنسية أن تُجامل حين تقرر فتح الملفات الثقيلة، وحين تفعل ذلك مع المغرب، فالأمر لا يكون صدفة ولا بدافع الفضول الصحفي فقط، بل لأن شيئاً ما انكسر في صورة “الاستثناء المغربي” التي طالما سُوّقت في باريس. تحقيق L’Express حول محمد السادس وولي عهده ليس مجرد مادة صحفية، بل هو إعلان صريح بأن الغبار الذي ظلّ يغطي بنية الحكم في الرباط بدأ يتبدد، وأن ما كان يُقال همساً صار يُكتب علناً وبالأسماء.
اللافت في هذا التحقيق أنه لا يهاجم من الخارج، بل يضرب من الداخل، من قلب السردية التي بناها المخزن عن “ملك قريب من شعبه” و“ملكية إصلاحية”. فالصورة التي يرسمها الإعلام الفرنسي اليوم هي صورة ملك غائب جسدياً وسياسياً، يدير بلداً كاملاً من الفنادق الفاخرة في باريس، أو لا يديره إطلاقاً، تاركاً الدولة في حالة فراغ مقنّع، تُملأ بالطقوس، والبروتوكول، وصناعة الوهم.
حين يتحول غياب الملك إلى قاعدة لا استثناء، وحين يصبح السفر الطويل نمط حكم، لا يمكن الحديث عن “استقرار” أو “استمرارية”، بل عن دولة معلّقة، تتنفس بالنيابة، وتُسَيَّر بالهاتف، أو تُترك لتصارع تناقضاتها وحدها. هنا لا يعود السؤال: هل محمد السادس مريض أم لا؟ بل: هل الدولة نفسها تُدار أم تُهمل؟ وهل الملكية في المغرب مؤسسة حكم أم مجرد واجهة رمزية تُستخدم عند اللزوم؟
الأخطر في التحقيق ليس توصيف الغياب، بل ما يليه: التمهيد المكشوف لمرحلة “الحسن الثالث”. الإعلام الفرنسي لا يخفي إعجابه الضمني بـ“الوريث الصلب”، ولا يتردد في استحضار شبح الحسن الثاني، لا بوصفه تاريخاً، بل كنموذج يُراد إحياؤه. الرسالة واضحة: إذا كان الأب غائباً ومرهقاً، فالحل هو ابن أكثر صرامة، أقل تردداً، وأشد استعداداً لاستعمال القبضة بدل الابتسامة.
هنا نكون أمام مفارقة فاضحة: المخزن الذي سوّق محمد السادس كقطيعة مع سنوات الرصاص، يُعاد تقديم وريثه اليوم كحنين لتلك السنوات نفسها. وكأن النظام يعترف، من حيث لا يدري، بفشل خيار “الليبرالية المراقبة”، ويستعد للعودة إلى الأصل: السلطة العارية، والانضباط بالقوة، وحكم الخوف بدل شرعية الإنجاز.
التحقيق الفرنسي لا يتوقف عند السياسة، بل يعرّي الاقتصاد أيضاً، حين يربط بين الغياب السياسي وتضخم الثروة الملكية. مليارات تتراكم، هولدينغ يختفي من البورصة، شفافية تُدفن عمداً، وشعب يُطالَب بالصبر والتقشف. هنا تتكامل الصورة: ملك لا يحكم، لكنه يربح؛ دولة تتآكل، لكن العائلة الحاكمة تزدهر. أيّ عقد اجتماعي هذا؟ وأيّ “إصلاح” يمكن أن يولد من هذا الخلل البنيوي؟
أما العلاقات مع فرنسا، فتكشف بدورها هشاشة ما كان يُقدَّم كـ“شراكة استراتيجية”. حين يشكّ الرئيس الفرنسي في تجسس حليف، وحين تنقلب باريس من حاضنة صامتة إلى مراقب ناقد، فهذا يعني أن المخزن خسر امتيازه التاريخي: الصمت مقابل الاستقرار. الإعلام الفرنسي يقول اليوم ما لم تكن تقوله الدبلوماسية: النظام المغربي لم يعد يُقنع، لا في الداخل ولا في الخارج.
من زاوية جزائرية، لا يمكن قراءة هذا التحقيق ببرود. ما تكشفه الصحافة الفرنسية ينسف، من الجذور، خطاب التفوق الأخلاقي والسياسي الذي طالما وُجِّه ضد الجزائر. دولة تُدار من الخارج، ملك غائب، اقتصاد محتكر، ومؤسسات شكلية، ثم يُطلب من الآخرين تصديق خطاب “الاستقرار” و“الحكمة”. المقارنة هنا لا تخدم المخزن، بل تفضحه.
في النهاية، لا تهاجم L’Express محمد السادس بدافع العداء، بل لأنها ترى نظاماً يشيخ بلا اعتراف، ويتآكل بلا إصلاح، ويستعد لتوريث أزمته بدل حلها. وما بين ملك غائب ووريث يُصنع على مقاس الاستبداد القديم، يبقى الشعب المغربي هو الغائب الأكبر عن المعادلة، مجرد متفرج على مسرحية يُعاد إخراجها كل مرة، بنفس الوجوه، وبنفس النهاية المفتوحة على الخوف لا على الأمل.
